دخلت شركة التعدين البريطانية أنجلو أمريكان (Anglo American) في مفاوضات متقدمة لبيع حصتها البالغة 85% في شركة دي بيرز (De Beers)، إحدى أعرق شركات إنتاج وتسويق الألماس الطبيعي في العالم، مقابل نحو مليار دولار أمريكي فقط، في صفقة تعكس حجم التحولات التي يشهدها القطاع بعد سنوات من التراجع والضغوط الاقتصادية. الأمر الذي أحدث صدمة في أس،اق الماس.
وتكتسب هذه الصفقة أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب مكانة دي بيرز التاريخية، وإنما لأن الشركة التي هيمنت لعقود على تجارة الماس العالمية أصبحت اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة، دفعت مالكها الرئيسي إلى السعي للتخارج منها ضمن خطة لإعادة هيكلة أعماله والتركيز على أنشطة التعدين الأكثر ربحية.
وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرج، يقود عملية الاستحواذ تحالف الكونسورتيوم العالمي للألماس (Global Diamond Consortium – GDC)، برئاسة الرئيس التنفيذي السابق لشركة دي بيرز غاريث بيني (Gareth Penny)، وبدعم من حكومتي ناميبيا وأنغولا، إلى جانب عدد من كبار تجار الألماس العالميين، في خطوة تستهدف إعادة هيكلة الشركة واستعادة مكانتها في سوق يشهد تغيرات متسارعة.
ووفقًا للتقرير، تتضمن الصفقة دفع 750 مليون دولار عند إتمامها، يعقبها 250 مليون دولار في مرحلة لاحقة، إضافة إلى مدفوعات مستقبلية مرتبطة بالأداء المالي للشركة، بما يعني أن القيمة النهائية قد ترتفع إذا نجحت دي بيرز في تحسين نتائجها التشغيلية خلال السنوات المقبلة.
لماذا تبيع أنجلو أمريكان دي بيرز؟
تأتي هذه الخطوة في إطار استراتيجية أعلنتها أنجلو أمريكان منذ عام 2024 لإعادة هيكلة محفظة أصولها، عقب محاولة الاستحواذ التي تقدمت بها شركة التعدين العالمية بي إتش بي جروب (BHP Group)، والتي دفعت المجموعة إلى مراجعة استثماراتها والتركيز على الأنشطة الأكثر تحقيقًا للعوائد.
وفي هذا السياق، قررت الشركة التخارج من عدد من الأصول، وفي مقدمتها دي بيرز، التي أصبحت تواجه تحديات متزايدة نتيجة التغيرات التي يشهدها سوق الماس الطبيعي.

أزمة تضغط على صناعة الماس الطبيعي
تأتي المفاوضات في وقت يمر فيه قطاع الماس الطبيعي بإحدى أصعب مراحله منذ عقود، نتيجة تراجع الطلب العالمي، وضعف الإنفاق الاستهلاكي في الأسواق الرئيسية مثل الولايات المتحدة والصين، إلى جانب استمرار انخفاض أسعار الماس الخام والمصقول.
كما تواجه الشركات التقليدية منافسة متزايدة من الماس المصنع في المختبر (Lab-Grown Diamonds)، الذي أصبح يوفر للمستهلكين بديلاً أقل تكلفة مع جودة بصرية مرتفعة، الأمر الذي أدى إلى تغير تفضيلات شريحة واسعة من المشترين، خاصة في سوق خواتم الخطبة والمجوهرات اليومية.
وقد انعكست هذه التطورات على أداء دي بيرز، حيث اضطرت أنجلو أمريكان إلى خفض القيمة الدفترية للشركة ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، لتتراجع إلى نحو 2.3 مليار دولار، بعد أن كانت تُقدر بمستويات أعلى بكثير في سنوات ازدهار سوق الماس.
استثمارات جديدة لإحياء دي بيرز
ورغم انخفاض قيمة الصفقة مقارنة بالمكانة التاريخية للشركة، فإن تحالف الكونسورتيوم العالمي للماس يخطط لضخ استثمارات إضافية تُقدر بنحو 500 مليون دولار عقب إتمام عملية الاستحواذ، بهدف تحديث عمليات الشركة، وتعزيز قدرتها التنافسية، ودعم استراتيجيات التسويق والإنتاج في مواجهة المتغيرات التي يشهدها القطاع.
ويرى مراقبون أن هذه الاستثمارات قد تمثل فرصة لإعادة بناء نموذج أعمال دي بيرز، بما يتناسب مع واقع السوق الجديد الذي يعتمد على الابتكار، والاستدامة، وتعزيز ثقة المستهلك في الماس الطبيعي.
دي بيرز.. أكثر من 130 عامًا من الهيمنة
تأسست دي بيرز عام 1888، وظلت لعقود اللاعب الأكثر تأثيرًا في صناعة الماس العالمية، حتى إنها كانت تسيطر في فترات معينة على النسبة الأكبر من تجارة الماس الخام في العالم، وأسهمت في ترسيخ مفهوم الماس كرمز للحب والزواج من خلال حملاتها التسويقية الشهيرة.
وتدير الشركة اليوم عمليات تعدين في بوتسوانا وناميبيا وجنوب أفريقيا وكندا، كما تمتلك خبرة واسعة في مجالات الاستكشاف والإنتاج والتصنيف والتسويق.
مستقبل الصناعة على المحك
ورغم أن المفاوضات لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي، فإن مجرد طرح دي بيرز للبيع بهذا التقييم يعد مؤشرًا واضحًا على التحولات العميقة التي يشهدها سوق الماس العالمي.
ويرى محللون أن نجاح الصفقة لن يقتصر أثره على تغيير هيكل ملكية واحدة من أعرق شركات القطاع، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة لصناعة الماس الطبيعي، في ظل المنافسة المتزايدة من الماس المصنع في المختبر، وتغير أنماط الاستهلاك، والضغوط الاقتصادية العالمية، وهي عوامل تدفع الشركات إلى إعادة صياغة استراتيجياتها للحفاظ على مكانتها في سوق يشهد تغيرًا غير مسبوق.
لقراءة المزيد:
7٫1 مليون قيراط ، إنتاج دي بيرز من الماس الطبيعي خلال الربع الأول من 2026
ماذا بعد تخفيض Anglo American لقيمة DE BEERS للمرة الثالثة بقيمة ٥٠ ٪ ؟


