عندما يُذكر مصطلح “الهيكل الهرمي” في صناعة المجوهرات، قد يتبادر إلى الذهن أنها مجرد طريقة لتصنيف المنتجات، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالهياكل الهرمية تمثل أحد أدوات لإدارة والتخطيط الاستراتيجي التي تستخدمها العلامات التجارية لتنظيم محافظها، وتوزيع الأدوار بين المجموعات المختلفة، بما يحقق التوازن بين الهوية التجارية، والإيرادات، والابتكار، واستهداف شرائح متنوعة من العملاء. حيث لا يوجد نموذج هرمي واحد تتبعه جميع العلامات التجارية، بل تختلف النماذج باختلاف الهدف الذي صُمم من أجله كل هيكل وباختلاف حجم وتوجه كل دار.
وفي الحلقة الأولى من الملف المخصص لكيفية بناء العلامات التجارية، تحدثنا عن المحافظ التصميمية لدور المجوهرات العالمية، وكيفية بنائها وفقا لمنظومة متعارف عليها، وخلال هذه الحلقة يصحبكم كنوز نيوز في رحلة للتعرف على هذه النماذج.
لماذا تستخدم العلامات التجارية الهياكل الهرمية؟
مع توسع صناعة المجوهرات وتنوع المجموعات التي تطرحها العلامات التجارية، لم يعد من الممكن إدارة عشرات أو مئات التصميمات باعتبارها منتجات مستقلة، بل أصبحت تُدار ضمن هياكل تنظيمية تحدد وظيفة كل مجموعة ودورها داخل محفظة العلامة التجارية.
ولا يقتصر دور هذه الهياكل على تصنيف المنتجات، بل تمثل أداة استراتيجية تساعد الشركات على إدارة أعمالها وتحقيق التوازن بين الابتكار والربحية واستمرارية الهوية.
وتستخدم العلامات التجارية الهياكل الهرمية لتحقيق عدة أهداف رئيسية، من أبرزها:
- تنظيم محفظة المجموعات والمنتجات
بما يضمن وضوح العلاقة بين مختلف الخطوط التصميمية، وتجنب التداخل أو التكرار بينها. - توزيع الأدوار بين المجموعات
بحيث تؤدي كل مجموعة وظيفة محددة؛ فبعضها يركز على بناء هوية العلامة، بينما تستهدف مجموعات أخرى تحقيق المبيعات أو جذب عملاء جدد أو إبراز الابتكار. - استهداف شرائح متنوعة من العملاء
عبر تقديم مستويات مختلفة من المنتجات تتناسب مع احتياجات وقدرات شرائية متفاوتة، دون الإخلال بصورة العلامة التجارية. - توجيه قرارات الاستثمار والتطوير
من خلال تحديد المجموعات التي تستحق التوسع، وتلك التي تحتاج إلى إعادة تطوير أو دمج أو إيقاف. - تحسين إدارة الإنتاج والمخزون
عبر معرفة حجم وأهمية كل مجموعة داخل المحفظة، بما يساعد على رفع كفاءة التخطيط وتقليل المخاطر التشغيلية. - تحقيق التوازن بين الربحية وبناء الهوية
فلا تعتمد العلامة التجارية على المجموعات الأعلى مبيعًا فقط، ولا تكتفي بالمجموعات الإبداعية ذات الطابع الفني، بل تسعى إلى بناء محفظة متوازنة تجمع بين الأداء التجاري والقيمة الإبداعية.
وتجدر الإشارة إلى أن الهيكل الهرمي ليس نموذجًا موحدًا تطبقه جميع العلامات التجارية بالطريقة نفسها، إذ يختلف تصميمه وعدد مستوياته ومسمياته وفقًا لاستراتيجية كل شركة وأهدافها. ومع ذلك، يمكن تصنيف أشهر هذه النماذج إلى نوعين رئيسيين، يركز كل منهما على جانب مختلف من إدارة العلامة التجارية، وهو ما نستعرضه في الفقرات التالية.
أولًا: الهرم الوظيفي للمجموعات (Collection Portfolio Pyramid)
نموذج Kate Baxter
يعد نموذج Kate Baxter أحد النماذج التحليلية المستخدمة لفهم توزيع الأدوار داخل محفظة المجموعات، بينما تطور كل علامة تجارية هيكلها الخاص بما يتوافق مع استراتيجيتها، وطبيعة منتجاتها، والجمهور الذي تستهدفه.

يهتم هذا النوع من الهياكل الهرمية بكيفية إدارة محفظة المجموعات داخل العلامة التجارية، ويجيب عن سؤال أساسي:
كيف توزع العلامة التجارية الأدوار بين مجموعاتها المختلفة؟
فليست جميع المجموعات مصممة لتحقيق الهدف نفسه؛ فبعضها يعزز هوية العلامة التجارية، وبعضها يمثل المصدر الرئيسي للمبيعات، بينما يؤدي بعضها دورًا في استقطاب عملاء جدد أو توسيع قاعدة المستهلكين.
ويُعد نموذج Kate Baxter أحد أشهر النماذج المستخدمة لفهم توزيع الأدوار داخل محفظة المجموعات، حيث يقسمها إلى ثلاثة مستويات رئيسية، لكل منها وظيفة مختلفة داخل استراتيجية العلامة التجارية.
Showstopper Collection- مجموعة التميز-
تمثل المجموعة التي تعكس أعلى مستويات الإبداع والتميز داخل العلامة التجارية بهدف لفت الانظار. وتهدف إلى إبراز الهوية التصميمية وجذب الاهتمام، أكثر من استهدافها تحقيق أعلى حجم من المبيعات.
وغالبًا ما تضم هذه المجموعة القطع التي تتصدر الحملات الإعلانية، والعروض الخاصة، والمعارض الدولية، لتصبح واجهة تعبر عن شخصية العلامة التجارية.
Collection Core- المجموعة الأساسية- قلب المجموعة
تمثل المجموعة الأساسية التي تقوم عليها أعمال العلامة التجارية، وتضم التصميمات التي تحقق المبيعات بصورة مستمرة، وتعكس هوية العلامة في السوق.
وتحرص الشركات على تطوير هذه المجموعة بشكل دوري للحفاظ على جاذبيتها، مع عدم الإخلال بالعناصر التي تميزها لدى العملاء.
Entry Point Collection- مجموعة البداية- استقطاب وجذب العملاء الجدد
تمثل نقطة الدخول إلى العلامة التجارية، وتضم التصميمات التي تستهدف شريحة أوسع من العملاء، سواء من خلال مستويات سعرية أكثر تنوعًا أو تصميمات تناسب الاستخدام اليومي.
وتؤدي هذه المجموعة دورًا مهمًا في جذب عملاء جدد، وبناء علاقة طويلة الأمد معهم، تمهد لانتقالهم مستقبلًا إلى مجموعات أعلى قيمة داخل محفظة العلامة التجارية.

ثانيًا: الهرم التصنيفي للمنتجات (Product Category Pyramid)
إذا كان الهرم الوظيفي للمجموعات يوضح كيف تدير العلامة التجارية مجموعاتها، فإن الهرم التصنيفي للمنتجات يوضح طبيعة المنتجات التي تقدمها العلامة التجارية، وكيف توزعها وفق مستويات مختلفة من القيمة، والحرفية، والخامات، والجمهور المستهدف.
ويُستخدم هذا النوع من الهياكل الهرمية لتنظيم المنتجات داخل العلامة التجارية، بحيث يؤدي كل مستوى دورًا محددًا في تلبية احتياجات شريحة مختلفة من العملاء، مع الحفاظ على اتساق هوية العلامة عبر جميع الفئات.
وتعتمد معظم العلامات التجارية على مستويات متدرجة، قد تختلف في عددها أو مسمياتها، إلا أنها غالبًا ما تشمل الفئات التالية:
High Jewelry- المجوهرات الراقية
تمثل قمة الهرم، وتضم القطع الاستثنائية التي تُنفذ بأعلى مستويات الحرفية، باستخدام الأحجار الكريمة النادرة والخامات الفاخرة، وغالبًا ما تُنتج بأعداد محدودة أو كقطع فريدة، لتجسد أعلى مستويات الإبداع والتميز.
Fine Jewelry- المجوهرات الفاخرة
تمثل الفئة الأساسية للمجوهرات الفاخرة، وتضم المنتجات المصنوعة من المعادن الثمينة والأحجار الكريمة، والمخصصة للاستخدام الدائم، مع تحقيق توازن بين الجودة العالية والقيمة التجارية.
Demi-Fine Jewelry- المجوهرات شبه الفاخرة – نصف فاخرة
تمثل الفئة الوسطى بين المجوهرات الفاخرة ومجوهرات الأزياء، وتعتمد عادة على معادن أقل قيمة من الذهب والبلاتين، أو على أحجار شبه كريمة، بما يوفر منتجات تجمع بين الجودة والسعر المناسب لشريحة أوسع من المستهلكين.
Fashion Jewelry- مجوهرات الأزياء
تمثل قاعدة الهرم، وتشمل مجوهرات الأزياء والإكسسوارات التي تركز على مواكبة الاتجاهات والتغيرات الموسمية، وتعتمد بصورة أكبر على التصميم والسعر المناسب وسرعة التجديد، أكثر من اعتمادها على القيمة المادية للخامات.
ويجب التأكيد على أن هذا التصنيف لا يُعد نموذجًا ثابتًا تطبقه جميع العلامات التجارية، إذ تختلف عدد المستويات ومسمياتها وحدود كل فئة وفقًا لاستراتيجية كل علامة، وطبيعة منتجاتها، والأسواق التي تستهدفها.

مقارنة بين الهيكل الوظيفي والهيكل التصنيفي
قد يتشابه الهرمان في الشكل، لكنهما يختلفان في الوظيفة أو طريقة الرصد. فالهرم الوظيفي للمجموعات ينظر إلى الدور الاستراتيجي الذي تؤديه كل مجموعة داخل محفظة العلامة التجارية، ويجيب عن سؤال: ما وظيفة كل مجموعة؟
أما الهرم التصنيفي للمنتجات، فيركز على طبيعة المنتجات ومستوياتها المختلفة من حيث القيمة والخامات والجمهور المستهدف، ويجيب عن سؤال: ما نوع المنتج الذي تقدمه العلامة التجارية؟
ولذلك لا يمثل الهرمان بديلًا أحدهما للآخر، بل يكمل كل منهما الآخر، إذ يساعد الأول على فهم استراتيجية إدارة المجموعات، بينما يوضح الثاني هيكل المنتجات التي تضمها العلامة التجارية.

هل تستخدم جميع العلامات التجارية هذه الهياكل؟
الإجابة ببساطة: لا.
فلا يوجد ما يُلزم أي علامة تجارية بتطبيق نموذج هرمي محدد، كما لا يوجد معيار عالمي يفرض عددًا ثابتًا من المستويات أو مسميات موحدة لجميع العلامات.
وفي المقابل، تعتمد معظم العلامات التجارية العالمية على هياكل متقاربة في الفكرة، مع اختلافات تتناسب مع استراتيجيتها وطبيعة منتجاتها والجمهور الذي تستهدفه. حيث يمكن أن تستحدث كل دار نموذجها المخصص بناء على نموذج العمل الخاص بها.
وقد تظهر هذه الاختلافات في عدة جوانب، منها:
- عدد المستويات داخل الهرم.
- المسميات المستخدمة لكل مستوى.
- ترتيب الأولويات بين الفئات.
- دمج بعض المستويات أو الاستغناء عنها بالكامل.
فالهدف هنا ليس تصنيف العلامات التجارية وفق نموذج واحد، وإنما تستخدم هذه النماذج كأدوات بناء أحيانا وأدوات تحليل في أحيان أخر، لتساعد الدور على بناء استراتيجياتها، وفهم كيفية إدارة محافظها من المجموعات والمنتجات.
وبناءً على هذا المفهوم، لا يعتمد التحليل على البحث عن مدى تطابق العلامة التجارية مع أي نموذج جاهز، وإنما على فهم المنطق الذي تقف وراءه استراتيجيتها، ثم اختيار الأداة التحليلية الأنسب لقراءتها.
بعد التعرف على أشهر الهياكل الهرمية المستخدمة في إدارة محافظ المجوهرات، يبقى السؤال الأهم: كيف تطبقها العلامات التجارية العالمية عمليًا؟
وهل تتبع Cartier وTiffany وVan Cleef & Arpels وBvlgari النماذج نفسها، أم أن لكل منها فلسفته الخاصة في بناء المجموعات؟
هذا ما سنكشفه في الحلقة الثالثة من الملف.
إقرأ أيضا:
Trend vs Evergreen؟ كيف تبني دور المجوهرات العالمية محفظة مجموعاتها؟
جائزة Kering CIBJO تغير مفاهيم صناعة المجوهرات المستقبلية.. 44 مشروع و 10 جامعات.
تحويل مصر لمركز عالمي للذهب يبدأ ببناء منظومة متكاملة وليس بحلول منفردة
أماني عفيفي: مهاجرة مصرية تقتحم صناعة المجوهرات في أمريكا بعلامة تجارية


