بث تجريبي

حين أصيب العالم ب Egyptomania بعد ١٩٢٢:

كنوز توت عنخ آمون: كيف أثرت على دور المجوهرات العالمية في القرن ال ٢٠ ؟

إعداد: كنوز.نيوز

لم يكن افتتان أوروبا بمصر القديمة مجرد إعجاب ثقافي عابر، بل تحوّل إلى موجة جماعية عارمة عُرفت باسم «الإيجيبتومينا- Egyptomania ». ظاهرة تجاوزت حدود البحث الأثري لتطال العمارة والسينما والموضة، لكنها بلغت ذروتها الحقيقية في عالم المجوهرات، حيث أعادت صياغة الذوق الفني الأوروبي ودفعت صناعة الحُلي إلى مسارات جديدة بالكامل.

رحلة الذهب المصري بين التاريخ والفن

لم يكن الذهب في مصر القديمة مجرد معدن ثمين يُستخدم للزينة أو التفاخر، بل كان أداة رمزية تحمل معانٍ عميقة تتعلق بالسلطة، والروحانية، والحماية. فكل قطعة – سواء كانت عقدًا، أو سوارًا، أو تميمة- كانت تحكي قصة عن علاقة الإنسان بالآلهة والطبيعة والكون، وتجسد فهم المصري القديم للطاقة والحياة والموت. فقد اعتُبر الذهب خامة إلهية، تمثل جسد الآلهة، لأنه لا يصدأ ولا يتآكل، تمامًا كما يُفترض أن تكون الآلهة خالدة.

ومع فك رموز حجر رشيد وفهم الهيروغليفية على يد العالم الفرنسي شامبليون عام 1822، وفتح المقبرة الأسطورية للملك توت عنخ آمون على يد هوارد كارتر عام 1922، لم تقتصر آثار هذه الإنجازات على العلم والمعرفة فحسب، بل أشعلت في الغرب فضولًا وشغفًا غير مسبوق بما أطلق عليه Egyptomania، أي الهوس بالمصري القديم. ولم يقتصر هذا الهوس  على الدراسات الأكاديمية فحسب، بل امتد ليصبح ظاهرة جمالية أثرت في الفنون والعمارة والأزياء، خصوصًا عالم المجوهرات، حيث بدأت رموز الحضارة المصرية القديمة -من الجعران وعين حورس إلى زهرة اللوتس- تدخل لغة التصميم العصري، مانحة القطع قيمة رمزية تتجاوز الزينة لتصبح بيانًا ثقافيًا وفنيًا عالميًا.

بهذه الخلفية، يمكننا رؤية الذهب المصري ليس كمجرد معدن أو كنز أثري، بل كلغة حية تتحدث عبر العصور، تعيد صياغة الموضة، وتلهم المصممين في كل حقبة لإعادة تفسير التراث بأسلوب عصري، محافظ في الوقت نفسه على عمق رموزه التاريخية والثقافية.

روما… البداية الأولى للشغف

لم يبدأ هوس العالم بمصر في القرن التاسع عشر كما قد يُعتقد، بل تعود جذوره إلى العصر الروماني. فقد نظر الرومان إلى الحضارة المصرية بوصفها حضارة ضاربة في القدم، غامضة، وثرية إلى حد الأسطورة. ولم يكن الإعجاب نظريًا فحسب، بل تجسّد سياسيًا وشخصيًا عندما وقع كل يوليوس قيصر  ومارك أنطونيوس تحت سحر مصر، وأُغرم كل منهما بالملكة كليوباترا السابعة.

وعندما ضُمّت مصر رسميًا إلى الإمبراطورية الرومانية عام 30 قبل الميلاد، لم يكن الضم عسكريًا وإداريًا فقط، بل حمل بعدًا ثقافيًا واضحًا. نُقلت المسلات من وادي النيل إلى قلب روما، وسكّ الإمبراطور أوغسطس عملات تحمل رموزًا مصرية، وأُقيمت معابد مخصصة لآلهة مصرية، في رسالة تؤكد أن روما لم تكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل تبنّت رموزها أيضًا.

سرعان ما تسللت المفردات المصرية إلى الحياة اليومية، خاصة في الزينة الشخصية. الجعران، عين حورس، وزهرة اللوتس لم تعد رموزًا دينية فحسب، بل تحولت إلى عناصر جمالية تُزيّن الحُلي. وأصبح ارتداء قطعة مستوحاة من الفراعنة يحمل دلالة رمزية: إعلان بأن روما صارت الوريث الشرعي لمجد مصر.

وفي عهد الإمبراطور هارديان بلغ هذا الشغف ذروته. فقد زُينت فيلته في تيفولي بتماثيل فرعونية، وأُدرجت عناصر معمارية مصرية في مبانٍ بارزة مثل البانثيون، لم يعد التأثير  مجرد زخرفة عابرة، بل جزءًا من المشهد الحضاري الروماني.

من هنا بدأت رحلة الذهب المصري كرمز عالمي — مادة تحمل أكثر من بريقها، وتختزن قوة ثقافية انتقلت من ضفاف النيل إلى عواصم الإمبراطوريات العالمية الكبرى.

عصر التنوير… مصر بوصفها رمزًا للحكمة

مع عصر النهضة ثم التنوير، عادت مصر القديمة إلى المشهد الأوروبي لا باعتبارها أطلالًا أثرية، بل بوصفها مستودعًا للحكمة السرية والرموز الغامضة. في الخيال الأوروبي آنذاك، كانت مصر أرض المعارف الأولى، ومهد العلوم والطقوس الروحية.

تبنّت المحافل الماسونية عددًا من الرموز ذات الأصل المصري، وعلى رأسها صورة الهرم، باعتباره دلالة على السمو المعرفي والتدرّج نحو الحقيقة. وامتلأت الفنون البصرية بإشارات فرعونية تُشير إلى الطقوس، والبعث، وفكرة النور الذي ينتصر على الظلمة.

حتى الموسيقى لم تكن بعيدة عن هذا المناخ الرمزي. فقد استلهم المؤلف الموسيقي فولفجانج  أماديوس موزارت في أوبرا ” الناى السحرى” أجواء مصرية الطابع، حيث تتقاطع الرموز الفرعونية مع طقوس التطهير والسعي إلى المعرفة، في عمل يعكس روح عصر يبحث عن الحكمة عبر الرموز القديمة.

وفي العمارة، أصبحت العناصر المصرية جزءًا من تصميم القصور والحدائق الأوروبية. أعمدة بتيجان تعلوها زهرة اللوتس وتماثيل أبو الهول وزخارف ذهبية مستوحاة من الجداريات الفرعونية، كلها تحولت إلى مفردات جمالية تعبّر عن ثقافة صاحب المكان وانفتاحه على الأفكار الجديدة.

المجوهرات المستوحاة من الحضارة المصرية القديمة

هذا التأثير لم يتوقف عند الحجر والرخام، بل امتد إلى عالم المجوهرات. ظهرت عقود عريضة تستحضر أطواق الملوك، وأساور على هيئة أفاعٍ تلتف حول المعصم، وخواتم تحمل رموز الشمس المجنحة. لم تكن هذه القطع مجرد زينة، بل إشارات ثقافية تُعلن انتماء مرتديها إلى عالم من الفكر الحر والاهتمام بالمعرفة والرمزية.

في تلك اللحظة التاريخية، تحولت المجوهرات ذات الطابع المصري إلى بيان ثقافي مصغّر، قطعة تُرتدى على الجسد لكنها تحمل خطابًا يعبر عن العقل والهوية والانفتاح.

حملة نابليون… حين أصبح الذهب أداة دعاية

عام 1798، عندما قاد نابليون بونابرت حملته إلى مصر عام 1798، لم يكن الهدف عسكرياً فقط. بل ثقافيًا أيضًا.

فرنسا الثورية أرادت أن تقدم نفسها وريثة لروما، وأن تُدرج الحضارة الفرعونية ضمن سرديتها الإمبراطورية الجديدة. كان الاستحواذ على الماضي جزءًا من معركة النفوذ في الحاضر.

فقد رافق الجيش علماء ومهندسون كلّفهم برسم كل شيء من معبد الكرنك إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية على ضفاف النيل. فوثّقوا كل ما رأوه، والنتيجة كانت كتاب  ‘وصف مصر’ — ذلك الموسوعة الضخمة من تسعة مجلدات صدرت بين عامَي ١٨٠٩ و ١٨٢٨، والتي نقلت مصر بكامل بهائها إلى المكتبات والصالونات الأوروبية. وأصبح بمقدور  أسرة أوروبية لم تزُر مصر قط تتحلّى في غرفة جلوسها بتماثيل صغيرة لأبي الهول، وتقتني مشغولات ذهبية تحمل صورة عين أوزيريس.

مما أسهم لاحقاً في تأسيس علم المصريات كحقل معرفي متخصص ومستقل بعد اكتشاف حجر رشيد عام 1799. ومن وقتها لم تعد مصر مجرد أرض أساطير، بل أصبحت حضارة قابلة للفهم والتحليل.

هذا الاكتشاف فتح الباب لفك رموز الهيروغليفية، وأطلق شرارة فضول أوروبي غير مسبوق تجاه الحضارة الفرعونية.

وفي عام 1802، نشر الفنان والرحالة فيفان دينون كتابه “رحلة في مصر العليا والسفلى”

Voyage en Haute et Basse Egypte ليشكّل شرارة إبداعية جديدة. الرسوم التفصيلية التي تضمنها الكتاب ألهمت الفنانين والمصممين، وبدأت الرموز المصرية – اللوتس، الجعران، الأجنحة، الأعمدة – تتسلل إلى الفنون الزخرفية الفرنسية، قبل أن تجد طريقها سريعًا إلى عالم المجوهرات.

في تلك اللحظة، لم يعد الذهب الفرعوني مجرد مادة للزينة، بل تحوّل إلى أداة رمزية تعلن التفوق الثقافي. ارتداء قلادة بطابع مصري لم يكن خيارًا جماليًا بريئًا، بل رسالة غير مباشرة تقول إن فرنسا — ومن بعدها أوروبا — تملك مفاتيح هذا الماضي وتعيد تقديمه وفق رؤيتها الخاصة.

سباق المتاحف… القوة الناعمة في خزائن الذهب

في القرن التاسع عشر، تنافست القوى الأوروبية على اقتناء الآثار المصرية. اقتنى المتحف البريطاني تمثالًا ضخمًا لرمسيس الثاني، بينما حصل اللوفر على قطع بارزة مثل دائرة سقف دندرة الفلكية.

كان امتلاك القطع الذهبية إعلانًا عن التفوق الحضاري. المتاحف تحولت إلى ساحات عرض للقوة الناعمة، والمجوهرات الفرعونية كانت في قلب هذا السباق.

كنز يشعل العالم:

كيف غيّر اكتشاف توت عنخ آمون خريطة المجوهرات العالمية؟

قبل أكثر من مئة عام، في الرابع من نوفمبر عام 1922، دوّن عالم الآثار الإنجليزي هوارد كارتر في مذكراته عبارة أصبحت من أشهر ما كُتب في تاريخ الاكتشافات الأثرية: «أرى أشياء عجيبة …. ذهب فى كل مكان ». كان يصف اللحظة التي تسللت فيها ألسنة ضوء شمعته إلى داخل مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون في وادي الملوك بالأقصر، لتكشف عن كنوز بقيت حبيسة الظلام أكثر من ثلاثة آلاف عام.

لم يكن ذلك الاكتشاف حدثًا أثريًا فحسب، بل لحظة فارقة أعادت تشكيل الذوق الجمالي العالمي. جاء الكشف في عالم يلتقط أنفاسه بعد أهوال الحرب العالمية الأولى، عالم مُثقل بالخسائر ويبحث عن حلم جديد. فجأة، ظهر الذهب الفرعوني كتعويض بصري وروحي، كعالم مكتمل من البريق والرمزية يعيد للخيال طاقته.

الصور الأولى التي خرجت من المقبرة لم تكن مجرد توثيق علمي، بل صدمة بصرية غير مسبوقة. القناع الذهبي، العقود العريضة المرصعة بالأحجار الملونة، الأساور الدقيقة، التمائم، والخواتم المنقوشة بإتقان – كلها بدت كأنها تنتمي إلى أسطورة حية أكثر منها إلى تاريخ قديم. لم يرَ العالم الحديث من قبل هذا المستوى من الثراء اللوني والهندسي مجتمعًا في منظومة فنية واحدة متكاملة.

وسرعان ما تحول الحدث إلى ظاهرة إعلامية عالمية. الصحف تنافست على نشر التفاصيل، وأضافت إليها قصة «لعنة الفراعنة» التي غذّت الخيال الشعبي العالمي، بينما كرّست السينما صورة المومياء كشخصية درامية جديدة. لكن التأثير الأعمق والأكثر استدامة كان في عالم المجوهرات.

ففي غضون أسابيع، كانت المجلات الفنية تنشر صور الذهب واللازورد والفيروز، وتفاصيل المشغولات التي خرجت من المقبرة. استوعبت دور الأزياء الكبرى في باريس ولندن الرسالة سريعًا: العالم يريد هذا البريق، وهذه الجرأة اللونية، وهذه الرمزية القوية. بدأت التصاميم تستلهم الخطوط الهندسية الصارمة، والتباين بين الذهب والأحجار المشبعة بالألوان، والعقود العريضة التي تستحضر أطواق الملوك.

هكذا لم يكتفِ اكتشاف توت عنخ آمون بإعادة كتابة تاريخ مصر القديمة، بل أعاد رسم خريطة المجوهرات العالمية. تحوّل الذهب المصري من أثر محفوظ في الرمال إلى مصدر إلهام مباشر يحدد اتجاه الموضة، ويمنح القرن العشرين واحدة من أكثر موجاته الجمالية تأثيرًا وخلوداً.

كنوز توت عنخ آمون… ذهب يروي سيرة الملك الشاب

حين نتحدث عن كنوز توت عنخ آمون، فنحن لا نستحضر مجرد قطع أثرية مذهلة، بل نستعيد لحظة فارقة في تاريخ الاكتشافات الأثرية ، لحظة فتح مقبرة الملك  لتخرج إلى العالم واحدة من أكثر الحكايات إثارة في القرن العشرين.

أحد أحذية الملك توت عنخ آمون المكتشفة ضمن كنزه الأثري
أحد أحذية الملك توت عنخ آمون المكتشفة ضمن كنزه الأثري

القناع الذهبي… وجه الخلود

يبقى القناع الجنائزي هو الأيقونة الأبرز بين جميع القطع. يزن نحو 11 كيلوجرامًا من الذهب الخالص عيار 24، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في الوزن وحده، بل في عبقرية التنفيذ.

تدرجات الذهب بين اللامع والمنطفئ، والانحناءات الدقيقة للملامح، ولمعان العينين المصنوعتين من أحجار شبه كريمة، تمنح القناع حضورًا إنسانيًا مدهشًا، كأن الملك يطلّ من عمق ثلاثة آلاف عام بنظرة ثابتة لا تزال قادرة على أسر الزائرين.

ومن التفاصيل التي أثارت جدل الباحثين ثقب الأذنين الظاهر في القناع، وهو ما وُجد أيضًا في المومياء. هذه السمة كانت أكثر شيوعًا بين النساء والأطفال في مصر القديمة، ما يعزز الفرضية التاريخية بأن الملك توفي في سن صغيرة، قبل أن تكتمل ملامح نضجه السياسي والجسدي.

تمائم الحماية… درع روحي في رحلة ما بعد الموت

لم تكن المومياء وحدها داخل التوابيت؛ فقد عُثر على ما يقرب من مئتي تميمة وقطعة حُلي وُزعت بعناية بين لفائف الكتان المشبعة بالزيوت والراتنجات.

هذه القطع لم تكن للزينة، بل شكّلت منظومة حماية روحية متكاملة. نُقشت عليها تعاويذ وفصول من “كتاب الموتى”، لضمان عبور الملك الآمن إلى العالم الآخر.

الأهمية هنا لا تتوقف عند العدد أو القيمة المادية، بل في التوثيق الدقيق الذي قام به كارتر، إذ سجّل موضع كل تميمة ومكانها بدقة علمية، ما أتاح للباحثين لاحقًا فهم دور كل قطعة في الطقوس الجنائزية ورمزيتها في العقيدة المصرية القديمة.

تشير الدراسات إلى أن وفاة الملك كانت مفاجئة، وهو ما انعكس على تجهيز المقبرة. بعض القطع – خصوصًا بعض الصدريات والعناصر الذهبية – تحمل آثار تعديل سريع في النقوش، حيث أعيد حفر اسم توت عنخ آمون فوق أسماء سابقة.

التفاوت في جودة بعض الزخارف يكشف عن استعجال واضح، وكأن ورش القصر الملكي عملت تحت ضغط الزمن لإتمام طقوس الدفن الملكي بما يليق بالمكانة، ولو عبر إعادة توظيف قطع كانت معدة لآخرين.

هذا التفصيل يمنح الكنوز بعدًا إنسانيًا؛ فهي لا تروي فقط قصة الثراء الملكي، بل أيضًا ارتباك اللحظة التاريخية التي رافقت رحيل ملك شاب.

التوابيت المتداخلة… فلسفة الحماية المتدرجة

وضعت المومياء داخل عدة طبقات من التوابيت المتداخلة، في نظام حماية متصاعد يعكس عمق الإيمان بالحياة الأخرى.

أحد هذه التوابيت مصنوع بالكامل من الذهب الخالص، بينما زُينت الأخرى بالأحجار الكريمة والزجاج الملون والعقيق واللازورد. كل طبقة كانت بمثابة حاجز إضافي بين الجسد والعالم الخارجي، في تصور روحي يرى في الجسد وعاءً أبدياً للروح.

لم يكن الأمر مجرد دفن، بل بناء حصن ذهبي متعدد الطبقات، تتداخل فيه العقيدة بالفن، والسياسة بالرمزية.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى كنوز توت عنخ آمون باعتبارها فقط أكبر اكتشاف أثري في القرن العشرين، بل باعتبارها مرآة لمرحلة دقيقة من تاريخ مصر القديمة: ملك شاب، وفاة مفاجئة، تجهيزات متعجلة، وإيمان راسخ بالخلود.

إنها قصة ذهب، نعم… لكنها أيضًا قصة إنسانية مكتوبة بلغة الفن والعقيدة والسلطة، وما زالت حتى اليوم قادرة على إشعال الخيال وإعادة طرح الأسئلة حول أسرار الحضارة المصرية.

كرسي الملك توت عنخ آمون
كرسي الملك توت عنخ آمون

الحُلي المصرية… ألوان تحمل المعنى والروح

في الثقافة المصرية القديمة، لم تكن الحُلي مجرّد زينة جسدية، بل كانت حاملة لمعانٍ رمزية وروحية عميقة، تربط الإنسان بالآلهة وتضفي الحماية والحضور المقدس. الصدرية على سبيل المثال، لم تكن مجرد قطعة زخرفية، بل صممت لتشبه واجهة المعبد، وارتداءها كان بمثابة الاحتماء بحضور إلهي دائم، يعكس صلة الملك أو الشخص المتوفى بالعالم السماوي.

وكانت الألوان جوهرية في هذه الرمزية: الذهب رمز لجسد الآلهة، والفضة تمثل عظامهم، واللازورد يشير إلى شعرهم ولون السماء، بينما العقيق الأحمر يحاكي وهج الشمس المشتعلة في قلب الصحراء المصرية. بهذه الطريقة، لم تكن قيمة القطع مقتصرة على ندرة المواد، بل كانت ترتبط بالقوة الرمزية للألوان ودلالاتها الدينية، لتصبح الحُلي أدوات حماية ووسائل للتواصل مع العوالم المقدسة

هوس الفراعنة يجتاح أوروبا:

كيف تحوّلت الكنوز المصرية إلى موضة عالمية في عالم المجوهرات؟

لم يكن افتتان أوروبا بمصر القديمة مجرد إعجاب ثقافي عابر، بل تحوّل إلى موجة جماعية عارمة عُرفت باسم «الإيجيبتومينا». ظاهرة تجاوزت حدود البحث الأثري لتطال العمارة والسينما والموضة، لكنها بلغت ذروتها الحقيقية في عالم المجوهرات، حيث أعادت صياغة الذوق الفني الأوروبي ودفعت صناعة الحُلي إلى مسارات جديدة بالكامل.

من ساحات الحملات العسكرية إلى صالونات باريس الراقية، قطعت الرموز الفرعونية رحلة طويلة. خرجت من جدران المعابد والمقابر الملكية لتستقر في واجهات أرقى دور الصياغة. فجأة، لم يعد الجعران تميمة دينية قديمة، بل صار بروشًا أنيقًا. ولم تعد زهرة اللوتس نقشًا حجريًا، بل تحولت إلى عقد مرصّع بالأحجار الكريمة. السياسة والاكتشافات الأثرية، خصوصًا بعد العثور على مقبرة توت عنخ آمون صنعتا موجة جمالية عالمية لم يكن بالإمكان تجاهلها.

قيل آنذاك «إن توت عنخ آمون مات شابًا، لكن ذوقه الفني حكم موضة العالم لعقود».
لم تكن العبارة مبالغة صحفية، بل توصيفًا دقيقًا لما حدث. فالمشغولات الذهبية التي خرجت من وادي الملوك قدمت للعالم نموذجًا متكاملًا للجمال: توازن صارم، ألوان مشبعة، ورمزية واضحة لا تخجل من حضورها.

الموجة الثانية من Egyptomania

الموجة الثانية من الإيجيبتومينا جاءت متزامنة مع صعود حركة  الأرت ديكو في عشرينيات القرن العشرين. لقد كان التوقيت مثاليًا؛ فهذه الحركة الجمالية قامت على الخطوط الهندسية الصارمة، والتناظر الواضح، والجرأة في استخدام اللون. وهي خصائص تتقاطع بطبيعتها مع الفن الفرعوني، الذي يقوم على البناء الهندسي، والتماثل، والتباين القوي بين الذهب والأزرق اللازوردي والفيروزي والأحمر القاني. لم يكن الأمر اقتباسًا قسريًا، بل انسجامًا طبيعيًا بين أسلوبين يفصل بينهما آلاف السنين ويجمعهما الحس البصري ذاته.

في هذا المناخ، وجدت أرقى دور الصياغة ضالتها. استعادت العقود العريضة مكانتها، وظهرت الأساور الملتفة حول المعصم على هيئة أفاعي، وانتشرت الأقراط المستوحاة من الأشكال الهرمية، والخواتم التي تحمل رموز الشمس المجنحة. لم تكن هذه القطع نسخًا حرفية من آثار المتاحف، بل إعادة تفسير عصرية لروح مصر القديمة، بروح صناعية حديثة ومواد أكثر تنوعًا.

هكذا تحوّلت الكنوز المصرية من آثار محفوظة خلف زجاج العرض إلى لغة تصميم عالمية. أصبح الذهب الفرعوني معيارًا للجرأة والترف، وصارت الإشارة إلى مصر القديمة بمثابة توقيع بصري يدل على حداثة المصمم وثقافته البصرية الواسعة. لقد أثبتت الإيجيبتومينا أن الماضي، حين يُعاد اكتشافه في اللحظة المناسبة، يمكن أن يصبح أكثر معاصرة من الحاضر نفسه.

أرقى دور الصياغة وفتنتها الفرعونية

  • كارتييه — حين أصبح النيل يجري في باريس

لا يمكن الحديث عن الإيجيبتومينا في عالم المجوهرات دون التوقف أمام دار كارتييه فهذه الدار الفرنسية العريقة لم تنتظر اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون كي تلتفت إلى مصر القديمة؛ بل سبقت الحدث بأكثر من عقد. منذ نحو عام 1910، كان مصمموها يبحثون في الحضارات القديمة عن مفردات بصرية جديدة، ووجدوا في الفن الفرعوني كنزًا هندسيًا ولونيًا استثنائيًا.

المراجع العلمية… من الكتب إلى طاولة التصميم

لم يكن استلهام كارتييه سطحيًا أو عابرًا، بل استند إلى مصادر بحثية دقيقة. من أبرزها موسوعة وصف مصر Description de l’Égypte التي صدرت عقب الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت ضمّت هذه الموسوعة رسوماً تفصيلية لمعابد وآثار مصرية، بينها معابد الكرنك، ويُعتقد أن هذه الرسوم ألهمت تصميم ما عُرف لاحقًا بـ«ساعة بوابة المعبد»، بخطوطها المعمارية المستقاة مباشرة من الواجهات الفرعونية.

كما شكّل كتاب The Grammar of Ornament مرجعًا بصريًا مهمًا داخل غرف التصميم. كان بمثابة أرشيف زخرفي مفتوح، يستخرج منه المصممون العناصر الهندسية والرمزية ليعيدوا صياغتها في حُلي معاصرة. الاقتباس هنا لم يكن زخرفة شكلية، بل قراءة دقيقة للنسب والتماثل والبناء الرمزي الذي ميّز الفن المصري القديم.

دمج الأثر بالأناقة… حين تدخل القطعة الأصلية إلى المجوهرات

ذهبت كارتييه إلى ما هو أبعد من مجرد الاستلهام. أقامت علاقات مع تجار آثار مصريين في باريس، وبدأت في دمج قطع أثرية حقيقية داخل تصاميمها. جعارين قديمة، خرز فيانس فرعوني، عناصر صغيرة أصلية كانت تُثبّت داخل إعدادات حديثة من الذهب أو البلاتين، وتُحاط بالألماس والأحجار الكريمة.

هذا المزج بين الأثري والمعاصر منح القطع طابعًا فريدًا؛ فهي لا تقتبس الماضي فحسب، بل تحتويه حرفيًا داخل إطار حداثي. العناصر النباتية والحيوانية — اللوتس، البردي، الصقر، الأفعى — أعيدت صياغتها بخطوط هندسية واضحة، تتماشى مع الذوق الأوروبي في مطلع القرن العشرين.

من الزخرفة إلى الآرت ديكو

استمر هذا الاتجاه بقوة حتى معرض الفنون الزخرفية والصناعات الحديثة في باريس عام 1925، الذي كرّس صعود حركة  الأرت ديكو ومع انتشار استخدام البلاتين وهيمنة الألوان الأحادية والخطوط الحادة، تكيّفت المجوهرات مصرية الطابع مع الروح الجديدة.

تحولت الزخارف الفرعونية إلى تكوينات أكثر اختزالًا، تعتمد على التباين بين الأونيكس الأسود والألماس الأبيض والبلاتين اللامع. خفّت كثافة التفاصيل، وحلّت محلها صرامة هندسية تتناغم مع إيقاع العصر الصناعي. ومع ذلك، ظل الجوهر المصري حاضرًا في التماثل الصارم والرمزية الواضحة.

ورغم تغير الأذواق، واصلت كارتييه إنتاج هذا النمط حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، محافظة على حضور الطراز المصري ضمن مجموعاتها، لكن بروح تتطور مع الزمن.

إرث يتجاوز الموضة

ما يميز تجربة كارتييه أنها لم تتعامل مع مصر القديمة كموجة عابرة أو استجابة آنية لاكتشاف أثري، بل كمسار تصميمي متكامل قائم على البحث والجرأة والابتكار. لقد حوّلت الرموز الفرعونية إلى لغة عالمية معاصرة، وأعادت تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر في صناعة المجوهرات.

وهكذا لم يعد الجعران أو اللوتس مجرد زخرفة تاريخية، بل جزءًا من هوية تصميم حديثة تثبت أن الذهب المصري لا يفقد قدرته على الإلهام، بل يكتسب مع كل عصر معنى جديدًا.

  • بولغارى Bulgari … الروح المتوسطية حين تعانق الإرث الفرعوني

إذا كانت بعض الدور الأوروبية قد اقتربت من الطراز المصري عبر إعادة إنتاج رموزه بشكل مباشر، فإن دار بولغارى اختارت مسارًا مختلفًا وأكثر تحررًا. لم تسعَ الدار الإيطالية إلى نسخ الجعران أو إعادة تشكيل اللوتس بحرفيته التاريخية، بل تعاملت مع الحضارة الفرعونية بوصفها طاقة بصرية وفلسفة تصميم، لا مجرد قاموس زخرفي.

من الرمز إلى الجوهر

بولغاري لم تقتبس الشكل، بل استلهمت الجوهر. ففي المجوهرات الفرعونية، كان اللون عنصرًا أساسيًا في التعبير عن السلطة والخلود والقداسة. الأزرق اللازوردي، الأخضر الفيروزي، الأحمر القرمزي، والذهب الكثيف لم تكن مجرد اختيارات جمالية، بل حوامل رمزية.

هذا الفهم العميق لقوة اللون يتردد صداه في هوية بولغاري. فالمجوهرات التي تشتهر بها الدار – بأحجارها الضخمة وألوانها المشبعة والمتجاورة بجرأة – تحمل في جيناتها البصرية ذلك الحس الفرعوني بالاحتفاء باللون الصافي غير الموارب.

الهندسة… توازن القوة

المجوهرات المصرية القديمة اعتمدت على التماثل والصرامة الهندسية، سواء في الأطواق العريضة أو الصدريات الملكية. هذا التوازن بين الكتلة والفراغ، وبين الخط المستقيم والإنحناءات الدقيقة، هو ما أعادت بولغاري تفسيره بروح متوسطية.

ففي تصاميمها، تتجاور الكابوشونات الضخمة مع خطوط واضحة وحواف محددة، في بناء بصري يذكّر بالبنية المعمارية للمعابد القديمة، ولكن دون اقتباس مباشر. إنها قراءة رومانية للإيقاع المصري: أكثر دفئًا، أكثر جرأة، وأكثر احتفاءً بالجسد.

الذهب… حضور لا يخفت

كما في مصر القديمة، يحتل الذهب مكانة مركزية في مجوهرات بولغاري. لكنه ليس ذهبًا خجولًا أو مكمّلاً، بل مادة حاضرة بقوة، تُبرزها الدار بأسطح لامعة أو منقوشة تعكس الضوء بثقة.

هذا الحضور الكثيف للمعدن الثمين يعيد إلى الأذهان الأطواق الفرعونية الثقيلة والتيجان الملكية، ولكن بعد أن تم “هضمها” وإعادة صياغتها داخل سياق حديث ينبض بروما والبحر المتوسط.

قراءة معاصرة لتراث قديم

يمكن القول إن بولغاري لم تمارس استلهامًا مباشرًا بقدر ما مارست إعادة تفسير. فالإرث الفرعوني لديها ليس زخرفة سطحية، بل خلفية ثقافية عميقة تظهر في الجرأة اللونية، وضخامة الأحجار، والتوازن الهندسي المدروس.

هكذا، لم تُنتج بولغاري مجوهرات “مصرية الشكل”، بل مجوهرات تحمل روحًا فرعونية مُعاد صياغتها بعيون إيطالية. روح تعرف كيف تحتفي بالقوة واللون والذهب، تمامًا كما فعلت الحضارة التي ألهمتها، ولكن بلغة معاصرة تتجاوز النقل الحرفي إلى الابتكار الحقيقي.

  • فان كليف آند آربلز… حين يتحوّل الغموض الفرعوني إلى قصيدة من ذهب

على عكس المقاربة الواضحة والصريحة لدى بعض الدور، اختارت دار فان كليف وآربلز  أن تقترب من الإرث الفرعوني بخطى هادئة، تكاد لا تُسمع. لم ترفع شعارات مصر القديمة، ولم تُكثر من استدعاء رموزها المباشرة، بل تركت التأثير يتسلل ببساطة داخل بنية التصميم ، فقد تعاملت دار فان كليف وآربلز مع التراث الفرعوني بحساسية الشاعر.

استلهام لا يُعلن عن نفسه

في مجوهرات فان كليف آند آربلز، لا يظهر الجعران بوضوح، ولا تتكرر الأشكال المعمارية الصارمة للمعابد، لكن روح الحضارة القديمة حاضرة. زهرة اللوتس، النجمة المتناثرة، والزهور المنمّقة في بعض المجموعات تحمل أصداء بعيدة لفنون وادي النيل، وكأنها صدى خافت لفن الدلتا، لا تصريح مباشر به.

هذا الأسلوب يجعل التأثير الفرعوني أقرب إلى الهمس منه إلى الإعلان. إنه إحساس بالرمزية، لا استعارة شكلية.

الطبيعة… الرابط الخفي

الحضارة المصرية القديمة كانت تحتفي بالطبيعة: اللوتس رمز البعث، البردي رمز الشمال، الشمس رمز الخلود. فان كليف آند آربلز التقطت هذا البعد الطبيعي وأعادت صياغته بلغة شاعرية.

الزهور في تصاميمها ليست توثيقًا نباتيًا، بل حلمًا مرصعًا بالألماس. النجوم ليست استنساخًا لقرص شمسي، بل ومضات ضوء تسبح في فضاء من الذهب. هنا يتحول الإرث الفرعوني من رمز ديني أو سياسي إلى إحساس جمالي نقي.

التقنية في خدمة الشعر

تعتمد الدار على خفة الحركة في تصميماتها، وعلى تقنيات تركيب تجعل القطعة تبدو وكأنها تطفو على البشرة. هذه الخفة تختلف عن ثقل الأطواق الفرعونية، لكنها تستبطن المعنى ذاته: الاحتفاء بالجسد بوصفه مسرحًا للنور.

الهوس الفرعوني لدى فان كليف آند آربلز لا يتجلى في الضخامة أو الصرامة الهندسية، بل في الرفاهية، في القدرة على تحويل الرمز القديم إلى قصيدة مرئية. إنه تأثير يسري كعطر خفي، لا كراية مرفوعة.

بين التاريخ والحلم

بهذا النهج، لم تسعَ الدار إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى تحويله إلى حالة شعورية. الحضارة الفرعونية تصبح خلفية ثقافية تلوّن التصميم دون أن تقيّده.

وهكذا، فإن تجربة فان كليف آند آربلز مع الإرث المصري تؤكد أن الهوس بمصر القديمة لا يعني دائمًا التكرار أو النقل المباشر. أحيانًا يكون التأثير الأعمق هو ذلك الذي لا يُرى بوضوح، بل يُحَسّ… كقصيدة مكتوبة بالذهب والأحجار الكريمة

  • دار تيفاني آند كو.. حين يغيب المعنى ويبقى الشكل

عندما استلهم المصممون المعاصرون هذه العناصر، لم يُدرك بعضهم عمق دلالاتها، بل ركزوا على جاذبيتها البصرية أو قيمتها التجارية.

فعلى سبيل المثال، استوحى لويس كومفورت مصمم دار تيفاني  Tiffany & Co رموزًا مصرية ليس فقط في مجوهراته، بل أيضًا في حفلات تنكرية فاخرة ذات طابع مصري. ففي عام 1913، أقام حفلًا أعاد فيه تمثيل عودة مارك أنطوني إلى كليوباترا في الإسكندرية، في تجسيد لافت للانبهار بالمظهر أكثر من الجوهر التاريخي.

ومن أبرز القطع المنسوبة إليه عقد بأسلوب “المينات”، وهو طراز طقسي كانت ترتديه الكاهنات في الاحتفالات الدينية لاسترضاء الآلهة. غير أن توظيف هذا الطراز في مجوهرات حديثة لأغراض جمالية بحتة قد يُعد تجاهلًا لبعده الديني الأصلي.

كما أن استخدام رمز الجعران – الذي مثّل في مصر القديمة التجدد والانبعاث – دون فهم أو إشارة إلى دلالته، قد يُنظر إليه كشكل من أشكال الاستغلال الثقافي.

واللافت أن هذا الطراز المصري لم يكن متسقًا مع الأساليب الشائعة لدى تيفاني في تلك الفترة، والتي مالت إلى الآرت نوفو ثم الآرت ديكو، ما يعزز فكرة أن الثقافة المصرية استُخدمت كخزان بصري للزخارف، لا كتعبير عن تقدير عميق لتراثها.

الصدى المعاصر — مصر في مجوهرات اليوم

في القرن الحادي والعشرين، لم تتراجع موجة Egyptomania، بل تحوّلت إلى لغة تصميمية أكثر وعيًا وحرية. المصممون المعاصرون يتعاملون مع الإرث الفرعوني بعين نقدية وإبداعية، وفي مصر نفسها تقود أسماء مثل عزة فهمي موجة تصميم تجمع بين أصالة التراث وحداثة اللغة البصرية، لتُعرض في معارض باريس وميلانو ولندن وأمريكا والدول العربية.

ميسيكا.. ومجموعة ما وراء النور.. برموز مصرية

لم يتوقف التأثر بالرموز المصرية القديمة لدى دور المجوهرات العالمية عبر السنين، فحتى الآن تمثل الحضارة المصرية القديمة إلهاما لا ينضب لمصممي المجوهرات والأزياء على حد سواد، وفي عام ٢٠٢٢ أطلقت دار ميسيكا Messika مجموعتها من المجوهرات الراقية Beyond the Light لعام 2022، المستوحاة من سحر الحضارة الفرعونية، وتحديداً طقم Akh-Ba-Ka المستوحى من أساطير مصر القديمة ويمزج بين معاني الحياة والنمو والأبدية. يرتكز العقد الماسي الرئيسي على ماسة استثنائية تزن 33 قيراطاً، مصممة من الذهب الأبيض بتصاميم هندسية غرافيكية تدمج رموزاً فرعونية خالدة بلمسة عصرية. بالإضافة إلى مجموعة مشغولات ذهبية  Golden Shield  التي ترسم الرموز. المصرية بالضوء والذهب.
عقد ميسيكا الماسي ضمن مجموعة ما وراء النور المستوحاة من الرموز الفمصرية القديمة
عقد ميسيكا الماسي ضمن مجموعة ما وراء النور المستوحاة من الرموز الفمصرية القديمة

حالة مستمرة..!

على المنصات الرقمية، يشهد الجمهور نهضة لمصممي مجوهرات من أصول مصرية وعربية يعيدون قراءة الرموز الفرعونية من منظور أصلي. عنخ يتحول إلى قطعة مينيمالية أنيقة، عين حورس تُصاغ بأسلوب هندسي صارم، والجعران يتحوّل إلى مشبك حديث بتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد.

كما تعيد المعارض الكبرى الاكتشاف دائمًا. فمتحف المتروبوليتان في نيويورك، والمتحف البريطاني في لندن، وقاعات متحف كيه برانلي في باريس تستضيف بانتظام معارض تستكشف العلاقة بين الفن الفرعوني والأزياء والمجوهرات الأوروبية. كل معرض يثير من جديد النقاش حول الملكية الثقافية، والإلهام، والاقتباس، وإعادة التفسير.

فالذهب المصري لم يغادر الأرض التي وُلد فيها وحده؛ بل غادر معه خيال البشر . Egyptomania لم تعد مجرد فصل في تاريخ الموضة، بل دليل على أن الجمال الحقيقي يتجاوز الزمن والحدود والسياسة. حين يضع الإنسان على يده خاتمًا يحمل عين حورس، أو يعلّق على صدره مفتاح الحياة، يعيد — دون وعي كامل — ربط خيط متصل يمتد ثلاثة آلاف سنة إلى الوراء، حيث كان كاهن مصري يقدّم للشمس قربانه الأول

الإمبراطورة أوجيني… أيقونة التذوق المصري

الإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث، لعبت دورًا مهمًا في نشر الإعجاب بالطابع المصري في أوروبا. لم تكن مجرد متلقية للموضة، بل كانت محفزًا للتجديد والإبداع لدى الصاغة، حيث طلبت حُلياً بطابع مصري من صائغيها الخاص، وأصبحت مجموعتها الخاصة مرجعًا للذوق الرفيع المستلهم من مصر القديمة. من خلال دعمها وطلباتها، ساهمت أوجيني في تحويل الرموز الفرعونية- الجعران، اللوتس، الأجنحة- إلى عناصر رئيسية في المجوهرات الراقية، ما منح الحرفيين الأوروبيين حرية الابتكار ضمن إطار الاستلهام من التراث المصري

الامبراطورة أوجيني طلبت من صائغها مجموعة مجوهرات بطابع مصري قديم
الامبراطورة أوجيني طلبت من صائغها مجموعة مجوهرات بطابع مصري قديم

أهمية المجوهرات في مصر القديمة

في مصر القديمة، كانت المجوهرات تتجاوز وظيفة الزينة لتصبح لغة رمزية تحمل معاني عميقة تتعلق بالحماية والقوى الروحية. لم يُنظر إلى القطعة الذهبية أو العقد المرصع بالأحجار الكريمة على أنه مجرد إكسسوار، بل كانت وسيلة تمنح حاملها قوة خاصة وقدرة على مواجهة الأخطار والشرور اليومية، سواء في الحياة الدنيوية أو في العالم الآخر بعد الموت. فالمجوهرات كانت نوعًا من “الدروع الرمزية”، تُدمج فيها المعتقدات الدينية مع الفن والحرفية العالية.

أحد أهم أبعاد هذه الحُلي كان دورها في الطقوس الجنائزية. فقد كان يُعتقد أن المجوهرات تمنح المتوفى حماية روحية في رحلته إلى العالم الآخر، وتجعل الروح مرتبطة بالقوى الإلهية، وتضمن له البقاء والحياة الأبدية. على سبيل المثال، كان الجعران يُستخدم رمزًا للتجدد والبعث، مستوحى من دورة حياة الخنفساء التي تعيد تشكيل الكرة الترابية وتحركها، في تشبيه بالولادة الجديدة للحياة بعد الموت. أما رمز العنخ، المعروف بشكل حرف T مع حلقة علوية، فكان يُمثل الحياة نفسها، وكان يتم وضعه على الصدور أو ضمن الحُليّ لتأكيد استمرار الروح في العالم الآخر.

قلادة الملك بسوسنس الأول التي عثر عليها في تانيس تعكس دقة الصنع وجودة الألوان رغم مرور السنين
قلادة الملك بسوسنس الأول التي عثر عليها في تانيس تعكس دقة الصنع وجودة الألوان رغم مرور السنين

المواد المستخدمة في صناعة هذه المجوهرات لم تكن عشوائية. الذهب، بصفائه ولمعانه، كان رمزًا للشمس وللقوة الإلهية، بينما حمل الفيروز اللون الأزرق والأخضر الذي يرمز إلى خصوبة الأرض والنماء. اللازورد، باللون الأزرق العميق، كان مرتبطًا بالسماء والآلهة، وقد استخدم في صنع الخواتم والتمائم لإضفاء بعداً روحانياً على القطعة. كان لكل حجر أو معدن وظيفة رمزية تعكس فهم المصري القديم للعالم الطبيعي وعلاقته بالآلهة، كما كانت هذه المواد تمثل عناصر الكون نفسها، فتصبح المجوهرات بمثابة خريطة مصغرة للكون، تجمع بين الجمال المادي والقيم الروحية.

ولم تقتصر رمزية المجوهرات على المواد والرموز، بل امتدت إلى التصميم نفسه. فقد كان التماثل، التكرار، واستخدام الخطوط الهندسية جزءًا من اللغة البصرية التي تعكس النظام الكوني ومكانة الإنسان ضمنه. الأشكال الهندسية مثل الأعمدة، الزهور، وأجنحة الطيور، لم تكن مجرد زخارف، بل رسائل تعبيرية عن التوازن بين القوى الطبيعية والقدرات الروحية للبشر.

إقرأ أيضا: “جمل صغير.. وتاريخ عظيم” عندما صاغت Van Cleef & Arpel الحضارة المصرية في مجوهرات

 

قناع الملك بسوسنس الأول.. تحفة من الذهب الخالص

باختصار، المجوهرات في مصر القديمة كانت أكثر من حُليّ، كانت أداة للتواصل مع المقدس، وحاملًا للمعنى، ووسيلة لربط الإنسان بالكون والآلهة. هذا البعد الرمزي العميق هو ما جعل العناصر الفرعونية تستمر في جذب المصممين عبر العصور، لتصبح لاحقًا مصدر إلهام لحركة الإحياء المصري في المجوهرات العالمية، حيث لم يعد الهدف مجرد جمال خارجي، بل إعادة صياغة إرث غني بالرموز والمعاني.

الاستلهام من مصر القديمة… بين الاحترام والابتكار

لكي يصنع المصمم مجوهرات مستوحاة من التراث الفرعوني بشكل ناجح، لا يكفي أخذ الشكل أو اللون فقط. الأمر يحتاج إلى فهم عميق للمعاني والرموز وراء كل قطعة، وإعادة تفسيرها بطريقة تحترم أصالتها وتمنحها حياة جديدة في عالمنا المعاصر. هذا ما يعرف بـ”الاستلهام الواعي” أو “الاستلهام التحويلي”، حيث يتم الاحتفاء بالجمال دون استغلاله.

الألوان والرموز كأساس للتصميم

المجوهرات المصرية القديمة كانت تعتمد على رموز قوية وألوان محددة للتعبير عن مفاهيم الحياة، القوة، والطاقة: الأحمر للحيوية، الأزرق للسماء والماء، الأخضر للنبات، والأصفر للشمس. كذلك كانت الرموز مثل العنخ وزهرة اللوتس والجعران تحمل معاني حماية وتجدد، وهو ما يمنح القطع بعدًا رمزيًا يتجاوز الشكل البصري.

المزج بين الماضي والحاضر

يستطيع المصمم اليوم إعادة صياغة هذه الرموز بأسلوب حديث، باستخدام المواد المعاصرة مثل الذهب والأحجار الكريمة واللازورد والعقيق، مع الاحتفاظ بالهندسة والتماثل الذي يميز الفن المصري. بهذا الأسلوب، تصبح القطع جسرًا بين الماضي والحاضر، تجمع بين الجمال التقليدي والابتكار العصري.

احترام الإرث الثقافي

الاستلهام الواعي من مصر القديمة يتجاوز مجرد الزينة، فهو دعوة لفهم تاريخ وثقافة غنية وتحويلها إلى فن معاصر. التصميم الذي يحترم الرموز ومعانيها يجعل المجوهرات أكثر من مجرد إكسسوار، بل وسيلة للتواصل مع حضارة عمرها آلاف السنين، مع الاحتفاظ بأصالة وجماليات هذه الحضارة في سياق حديث

حوار يتجاوز المجوهرات

إن التأمل في حركة إحياء المجوهرات المصرية يتجاوز حدود الحُليّ ليطرح سؤالًا أوسع: كيف يمكننا كمبدعين ومستهلكين أن نحتفي بالماضي دون أن نستغله؟

إنها دعوة للتفكير في كيفية تكريم الثقافات العريقة، ليس عبر اقتباس رموزها فحسب، بل بفهم معانيها واحترام سياقاتها.

فالهوس بمصر القديمة لم يكن مجرد موجة جمالية، بل مرآة تعكس علاقتنا المعقدة بالإرث، والهوية، والسلطة الثقافية.

مقالات مختارة

الصين الأولى في الإنتاج وسويسرا الأولى في التكرير.. وحصة مصر ١٫٩ ٪ من السوق العالمي.
سوق الماس خلال موسم أعياد 2025
مبيعات المجوهرات الأمريكية ترتفع بنسبة 1.6٪ خلال موسم الأعياد
كيف تحمي هامش الربح في ظل تقلبات أسعار الذهب؟
2025 .. عام الرخاء للمعادن الثمينة
ارتفاع احتياطي الذهب في المركزي المصري إلى 4.153 مليون أونصة
تصدير الذهب الخام والقيمة المضافة.. الضائعة.
بنك HSBC يرفع توقعاته لأسعار الفضة بدعم من قوة الذهب وتصاعد المخاطر الجيوسياسية
شركات المجوهرات تلجأ لتقنية Vermeil للتغلب على ارتفاع أسعار الذهب
“Claire’s ” العالمية تعلن إفلاسها الثاني في الولايات المتحدة
اعلان جانبي بالطول – صفحة داخلية