وسعت بورصة قطر للماس -تحالفاتها مع أفريقيا وآسيا وأوروبا في مواجهة مركز دبي التجاري الذي سجل 41.7 مليار دولار.. والحرب واضطراب الملاحة يضعان طموحات المراكز الخليجية أمام اختبار صعب
في وقت تواجه فيه منطقة الخليج واحدة من أشد أزماتها الأمنية والاقتصادية، مع استمرار تداعيات الحرب الإقليمية واضطراب حركة الملاحة والتجارة، تدخل الدوحة سباق المنافسة على تجارة الماس العالمية، مستهدفة بناء مركز إقليمي جديد يربط الدول الأفريقية المنتجة بالأسواق الآسيوية والأوروبية، في مواجهة المكانة التي رسختها دبي خلال العقود الماضية.
ويأتي التحرك القطري في توقيت بالغ الحساسية، تحاول خلاله دول الخليج الحفاظ على ثقة المستثمرين واستقرار سلاسل الإمداد وتنويع أنشطتها الاقتصادية بعيدًا عن النفط والغاز، بينما تفرض المخاطر الجيوسياسية تكاليف إضافية على النقل والتأمين والخدمات اللوجستية، وهي عناصر أساسية لتجارة السلع مرتفعة القيمة، ومنها الماس والأحجار الكريمة.
ورغم أن المنافسة التجارية بين المراكز الخليجية ليست جديدة، فإن دخول “بورصة قطر للألماسQatar Diamond Exchange – QDE” إلى السوق في يوليو 2026، ثم تسارع توقيع اتفاقيات التعاون الدولية، يفتح فصلًا جديدًا من التنافس على استقطاب التجار والمنتجين والمناقصات والخدمات المالية المرتبطة بالألماس، غير أن المسافة لا تزال كبيرة بين تأسيس بورصة ناشئة وبين منافسة مركز تجاري قائم بحجم دبي، التي سجلت تجارة الألماس فيها مستوى قياسيًا بلغ 41.7 مليار دولار خلال عام 2025.

اتفاق أفريقي جديد يدفع الدوحة إلى قلب المنافسة
في 4 نوفمبر 2026، أعلنت بورصة قطر للألماس توقيع مذكرة تفاهم مع جمعية الألماس والأحجار الكريمة والمجوهرات في الجنوب الأفريقي (Diamond, Gem & Jewellery Association of Southern Africa – DGJASA)، في خطوة تستهدف تعزيز العلاقات التجارية بين قطر وأحد أهم الأقاليم المنتجة للألماس الطبيعي عالميًا.
ووقع الاتفاق غانم السعدي (Ghanim Al-Saadi)، مدير بورصة قطر للألماس، وموليفي ليتسيكي (Molefi Letsiki)، رئيس الجمعية، بحضور الشيخ محمد بن حمد بن فيصل آل ثاني، رئيس البورصة، وفاليري لوسامبا كابيا (Valérie Lusamba Kabeya)، سفيرة جمهورية الكونغو الديمقراطية لدى قطر.
وتنص المذكرة على تطوير العلاقات بين أعضاء المؤسستين، وتسهيل التعارف التجاري بين المنتجين والمشترين والتجار، وتبادل الخبرات والمعلومات، وتشجيع المشاركة في المناقصات والمزادات ومعاينات الألماس، إلى جانب تنظيم الزيارات المتبادلة.
كما تتضمن دعم معايير التوريد المسؤول وتعزيز الثقة في تجارة الألماس الطبيعي، وفق الأطر المعمول بها في القطاع، ومنها نظام الضمانات الصادر عن مجلس الألماس العالمي (World Diamond Council – WDC).
وأكد غانم السعدي (Ghanim Al-Saadi)، مدير بورصة قطر للألماس، أن الشراكة مع رابطة الماس والأحجار الكريمة والمجوهرات في الجنوب الأفريقي تمثل فرصة لتعزيز علاقات البورصة مع واحدة من أهم مناطق إنتاج الماس عالميًا، والاستفادة من موقع الدوحة لربط المنتجين والتجار والمشترين بأسواق جديدة، بما يدعم نمو الصناعة على المدى الطويل.
ومن جانبه، اعتبر موليفي ليتسيكي (Molefi Letsiki)، رئيس الرابطة، أن الاتفاقية تفتح قنوات تجارية دولية جديدة أمام أعضائها، وتتيح فرصًا للتعاون مع مجتمع الماس في قطر. وتشمل التفاهمات تبادل المشاركة في المناقصات والمزادات ومعاينات الأحجار، إلى جانب دعم ثقة المستهلكين من خلال الالتزام بنظام الضمانات التابع لمجلس الماس العالمي (World Diamond Council – WDC) ومعايير التوريد المسؤول التي يدعمها مجلس المجوهرات المسؤول (Responsible Jewellery Council – RJC).
وتكتسب الاتفاقية أهميتها من محاولة قطر الوصول إلى شبكات الإنتاج والتجارة الأفريقية، وليس من حجم تعاقدات معلنة؛ إذ لم يتضمن البيان اتفاقات لشراء كميات محددة من الماس أو تحويل صادرات دولة أفريقية بعينها إلى الدوحة، كما أن الاتفاقية أُبرمت مع جمعية مهنية تمثل أطرافًا من القطاع، وليست اتفاقًا حكوميًا يمنح قطر حقوقًا حصرية في تجارة الماس الأفريقي.
بورصة قطر للماس: تحرك سريع من ليسوتو إلى الجنوب الأفريقي
سبقت الاتفاقية بيوم واحد زيارة رسمية إلى مقر بورصة قطر للألماس في منطقة راس بوفنطاس الحرة، قام بها رئيس وزراء مملكة ليسوتو، “سام ماتيكاني -Samuel Matekane”، يرافقه عدد من السفراء والدبلوماسيين الأفارقة.
وخلال الزيارة، أكد الشيخ محمد بن حمد بن فيصل آل ثاني تطلع البورصة إلى تطوير منظومة متكاملة لتجارة الألماس، وتوسيع التعاون مع الدول الأفريقية، بما يحقق قيمة اقتصادية طويلة الأجل ويعزز فرص الشركات العاملة في مختلف حلقات سلسلة الإمداد، وتوضح الزيارة، إلى جانب الاتفاقية الجديدة، أن الدوحة تعطي العلاقات الأفريقية أولوية مبكرة في بناء شبكتها الدولية.
فأفريقيا تمثل مصدرًا رئيسيًا لإنتاج الألماس الطبيعي، لكن جانبًا مهمًا من أنشطة التجارة والتمويل والتقييم والتوزيع العالمي يجري خارج الدول المنتجة.
ومن ثم، فإن المنافسة بين المراكز التجارية لا تقتصر على الحصول على الأحجار الخام، وإنما تشمل جذب الشركات المنظمة للمناقصات، ومؤسسات الفحص والتقييم، وخدمات التخزين والتأمين، والمشترين الدوليين.
دبي.. مركز تجاري قائم بأرقام قياسية
تدخل قطر هذا السوق في مواجهة منافس خليجي سبقها بسنوات طويلة في بناء شبكة دولية متكاملة، فبحسب بيانات مركز دبي للسلع المتعددة – Dubai Multi Commodities Centre – DMCC، بلغت قيمة تجارة الماس في دبي 41.7 مليار دولار خلال 2025، مقابل 35.8 مليار دولار في العام السابق، بزيادة 16.2%.
كما ارتفع إجمالي الكميات المتداولة إلى 359.5 مليون قيراط، بنمو 42.5%، لتسجل الإمارة مستوى قياسيًا متزامنًا في القيمة والحجم، واستحوذ الماس الطبيعي على 39.9 مليار دولار من إجمالي قيمة التجارة، بما يعادل نحو 95.8%.
وفي فئة الألماس الطبيعي الخام، تداولت دبي 205.2 مليون قيراط، بارتفاع يقارب 34% عن عام 2024، بينما بلغت قيمة تجارة الألماس الطبيعي المصقول 18.7 مليار دولار.
وتشمل هذه الأرقام حركة تجارة الألماس عبر دبي، ولا تمثل إنتاجًا محليًا للأحجار أو إيرادات بورصة دبي وحدها، كما لا ينبغي الخلط بين إجمالي الواردات والصادرات وقيمة مبيعات نهائية مستقلة.
وتستند مكانة دبي إلى منظومة تشمل بورصة دبي للماس-Dubai Diamond Exchange – DDE، والمناقصات الدولية، والتخزين الآمن، والخدمات الجمركية واللوجستية، ومؤسسات التقييم والفحص، إضافة إلى روابط تجارية واسعة مع الدول الأفريقية المنتجة ومراكز تصنيع الألماس وتقطيعه في الهند، وهذه البنية المتراكمة تجعل المنافسة بالنسبة إلى قطر مرتبطة ببناء الثقة وجذب التدفقات التجارية الفعلية، وليس بمجرد توفير مقر جديد للتداول.
ماذا تقدم بورصة قطر للماس؟
أعلنت هيئة المناطق الحرة القطرية- Qatar Free Zones Authority – QFZ، إطلاق بورصة قطر للماس في 26 يوليو 2026، داخل منطقة راس بوفنطاس الحرة، بالقرب من مطار حمد الدولي.
وقدمت البورصة نموذجًا يجمع أنشطة التداول والخدمات المتخصصة ضمن منظومة واحدة، تشمل قاعات للتفاوض، ومساحات للعرض والمعاينة، وخزائن عالية التأمين، وخدمات التقييم والشهادات، وإجراءات جمركية، إلى جانب استضافة المناقصات والمزادات.
وتتيح المنطقة الحرة الملكية الأجنبية بنسبة 100%، ومزايا ضريبية للكيانات المؤهلة وفق الشروط المعمول بها، بما يمثل جزءًا من عوامل الجذب التي تراهن عليها قطر.
كما تستهدف البورصة الشركات العاملة في تجارة الألماس الخام والمصقول، والتقطيع والصقل، والأحجار الكريمة، فضلًا عن الجهات التي تقدم خدمات التمويل والتأمين والنقل والفحص.
ويستند الإطار التنظيمي إلى انضمام قطر إلى عملية كيمبرلي -Kimberley Process Certification Scheme – KPCS- عام 2021، ثم القانون رقم 15 لسنة 2025، الذي حدد اختصاصات هيئة المناطق الحرة القطرية في الإجراءات المرتبطة بتجارة الماس الخام، وتتيح هذه البنية للدوحة تقديم نفسها باعتبارها مركزًا جديدًا يربط بين تداول الألماس والخدمات اللوجستية والمالية والتنظيمية.
شبكة تحالفات سريعة مع بورصات آسيا وأوروبا
لم تتوقف الاستراتيجية القطرية عند التوجه إلى أفريقيا، ففي أغسطس 2026، وقعت بورصة قطر للماس مذكرات تفاهم مع بورصة سنغافورة للماس (Diamond Exchange of Singapore)، وبورصة شنغهاي للألماس (Shanghai Diamond Exchange)، وبورصة طوكيو للماس (Tokyo Diamond Exchange)، خلال المؤتمر العالمي الحادي والأربعين للألماس الذي استضافته سنغافورة.

وفي سبتمبر، أضافت بورصة الماس الإيطالية (Borsa Diamanti d’Italia) إلى شبكة تعاونها، على هامش مؤتمر الذكرى المئوية للاتحاد الدولي للمجوهرات (CIBJO) في مدينة فيتشنزا الإيطالية.
ثم توسعت في أكتوبر باتفاقيتين مع اتحاد الماس في هونغ كونغ (Diamond Federation of Hong Kong, China – DFHK)، وبورصة لندن للألماس (London Diamond Bourse – LDB).
وبالاتفاق الأفريقي المعلن في نوفمبر، تكون الدوحة قد بنت خلال أشهر قليلة شبكة تعاون تمتد إلى أهم الأسواق المنتجة والمستهلكة والمتداولة للماس.
وتكشف خريطة الاتفاقيات عن اتجاه واضح يتمثل في التواصل مع مصادر الإنتاج الأفريقي من جهة، وبورصات آسيا وأوروبا من جهة أخرى، بما يمنح قطر فرصة لتقديم خدمات الوساطة والتخزين والمناقصات وربط المشترين بالمنتجين.
ومع ذلك تبقى هذه الاتفاقيات في معظمها مذكرات تفاهم لتنشيط العلاقات التجارية والتعاون المهني، ولا تعني التزام الأطراف بتحويل معاملاتها إلى قطر، ولم يتم بناء عليها تعاملات فعلية معلنة حتى الآن.
المنافسة تشتعل والخليج يواجه أزمة اقتصادية وأمنية
تكتسب هذه التحركات دلالات أوسع في ظل الظروف التي تمر بها منطقة الخليج منذ اندلاع الحرب الإقليمية في فبراير 2026، وما صاحبها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، وارتفاع المخاطر المتعلقة بالطاقة والنقل والتجارة الدولية.
ففي تقريره الصادر يوم 6 أكتوبر 2026، حذر البنك الدولي من أن تداعيات الصراع أدت إلى إضعاف النمو الاقتصادي الإقليمي، وأثرت في السياحة والطيران والخدمات اللوجستية وثقة المستثمرين، وتوقع التقرير انكماش اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بمتوسط 4.3% خلال العام، في ضوء التعطل الكبير لتدفقات الطاقة والتجارة.
وفي مطلع نوفمبر، استمرت الحوادث الأمنية التي طالت حركة السفن في منطقة الخليج، بينما تواصلت الجهود الدبلوماسية القطرية لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
وتطرح هذه التطورات تحديًا مباشرًا أمام المراكز التجارية الخليجية التي تعتمد على سهولة حركة البضائع والأفراد والخدمات المالية، بما فيها تجارة الماس والأحجار الكريمة.
فالماس سلعة مرتفعة القيمة ومنخفضة الوزن نسبيًا، ويعتمد جانب مهم من نقله التجاري على الشحن الجوي الآمن، لكنه يحتاج أيضًا إلى منظومة موثوقة من التأمين والجمارك والخدمات المصرفية وحركة الخبراء والتجار بين الدول.
ومن ثم، فإن استمرار الاضطرابات الإقليمية قد يزيد حساسية الشركات الدولية تجاه تكاليف العمليات التجارية ومستويات المخاطر، حتى مع استمرار نشاط المراكز القائمة وظهور مراكز جديدة.
وقد تصبح القدرة على ضمان استمرارية الأعمال وتوفير بدائل لوجستية وخدمات آمنة عاملًا حاسمًا في المنافسة، إلى جانب الرسوم والتسهيلات الضريبية والقدرة على جذب الشركات.
هل تتجه تجارة الماس الأفريقي إلى الدوحة؟
رغم سرعة التحركات، لا توجد حتى الآن بيانات منشورة كافية تسمح بقياس حجم تجارتها الفعلية مقارنة بدبي، فالمنافسة بين المراكز الدولية تقاس بحجم الشحنات والمناقصات وقيم التداول وعدد الشركات العاملة ونشاط الخدمات المصرفية واللوجستية، وليس بعدد مذكرات التعاون وحده.
وتواجه قطر أيضًا تحدي جذب الشركات التي ترتبط بالفعل بعلاقات طويلة الأمد مع دبي والهند وأنتويرب وغيرها من مراكز تجارة الألماس، وفي المقابل، تملك الدوحة فرصة لبناء نموذج متخصص يستفيد من موقعها الجغرافي ومطارها الدولي وخدمات المناطق الحرة، مع تطوير علاقات مباشرة مع منتجي الألماس في أفريقيا.
وقد تتيح المنافسة الجديدة للدول الأفريقية خيارات أوسع في تنظيم المناقصات وتسويق إنتاجها والحصول على خدمات التقييم والتمويل، لكنها قد تواجه أيضًا تحديات إذا اكتفت المراكز التجارية الجديدة باستقطاب الأحجار الخام دون تقديم قيمة مضافة للدول المنتجة.
ويبقى السؤال بالنسبة إلى أفريقيا مرتبطًا بمدى استفادتها من توسيع قنوات البيع، وتحسين فرص التفاوض، وتطوير أنشطة التقطيع والصقل والتصنيع داخل اقتصاداتها، بدل الاكتفاء بانتقال الأحجار بين المراكز الدولية.
وهكذا تدخل بورصة قطر للألماس المنافسة في توقيت لا يختبر قدرة الدوحة على تحدي مكانة دبي وحدها، وإنما يختبر أيضًا قدرة الخليج على الاحتفاظ بدوره مركزًا عالميًا للتجارة والاستثمار وسط واحدة من أصعب الأزمات التي واجهتها المنطقة.
لقراءة المزيد:
بقطر للماس تشكل مجلسها الاستشاري.. 7 من أصحاب الخبرات في الصناعة
شراكة إستراتيجية بين Alura القطرية ومصفاة Euro Gold الأوغندية.
دبي تستعد لمؤتمر الماس ومعرض دبي للمجوهرات.. أكتوبر 2026
بورصة بهارات تُحمّل مبعوثة الهند الجديدة إلى بوتسوانا رسائل بشأن أهم تحديات تجارة الماس بين الدولتين


