في سوق تتجاوز قيمته مئات المليارات من الدولارات، لم تعد قيمة قطعة المجوهرات تقاس بوزن الذهب أو ندرة الحجر الكريم فقط، بل أصبحت الثقة في هوية القطعة ومنشأ مكوناتها ودقة تصنيفها جزءًا من قيمتها الاقتصادية. ومن هنا، تحولت مؤسسات اعتماد الأحجار الكريمة إلى أحد أهم أركان صناعة المجوهرات العالمية. وفي هذا الحوار، يفتح – Johan Roy D’Souza- يوهان روي دي سوزا العضو المنتدب للمعهد الدولي للأحجار الكريمة (IGI) لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا. الحديق عن ملفات الألماس الطبيعي والمصنع، وتطور معايير التصنيف، ومستقبل الثقة في صناعة المجوهرات، وفرص أسواق الشرق الأوسط في ظل التحولات العالمية.
يوهان دي سوزا: تحولت من مجال الإعلان إلى الماس
- كيف كانت رحلتك قبل الانضمام إلى IGI؟
- أنتمي إلى خلفية شرق أوسطية؛ فقد وُلدت في الكويت ونشأت في الإمارات العربية المتحدة، وقضيت معظم حياتي هناك. ورغم أنني أستطيع القراءة والكتابة بالعربية، فإنني لا أجيدها بطلاقة، لأن حياتي اليومية كانت تدور بالأساس بين الإنجليزية والهندية بحكم طبيعة المجتمع في دبي. درست تكنولوجيا المعلومات، لكنني لم أعمل في هذا المجال. وبدلًا من ذلك، أمضيت نحو عشرين عامًا في قطاع الإعلان والتسويق مع شركات عالمية مثل Google وBBDO وMcCann Erickson، قبل أن أنتقل إلى IGI.
- كيف تصف انتقالك من قطاع الإعلان إلى عالم الأحجار الكريمة والمجوهرات؟
- كانت تجربة جديدة، لكنها لم تكن بعيدة عن خبراتي السابقة. فالإدارة وقيادة فرق العمل ووضع الخطط وتحقيق الأهداف هي مهارات مشتركة بين مختلف القطاعات. لذلك لم أشعر بأنني أبدأ من الصفر، بل استفدت من خبرتي في إدارة العمليات وقيادة فرق العمل للتأقلم سريعًا مع طبيعة عملي في IGI.

يوهان روي دي سوزا- العضو المنتدب والمدير الاقليمي ل IGI بالشرق الأوسط وتركيا - ما الدور الذي يقوم به IGI؟ ولماذا تمثل شهادات الاعتماد هذه الأهمية؟
- دورنا هو العمل كجهة مستقلة ومحايدة لفحص واعتماد الأحجار الكريمة والمجوهرات. نحن لا نبيع ولا نشتري، ولا نحدد الأسعار، وإنما نصدر تقريرًا علميًا يوضح حقيقة الحجر ومواصفاته. ولهذا نتبع إجراءات صارمة داخل المختبر؛ فالخبراء الذين يقومون بالفحص لا يتواصلون مع العملاء، ولا يعرفون هوية أصحاب القطع، كما أن المستندات التي تصل إليهم لا تتضمن أسماء العملاء. بهذه الطريقة نحافظ على الحياد الكامل، لأن الثقة هي أساس عملنا. ولا يزال هناك بعض الالتباس في السوق حول طبيعة دور IGI، إذ يعتقد البعض أننا نحدد أسعار الأحجار، بينما مهمتنا الحقيقية هي حماية المستهلك من خلال تقديم تقييم علمي مستقل يوضح جودة الحجر وطبيعته.
المدير الإقليمي لـ IGI: السوق المصرية تدخل مرحلة جديدة، والتصنيع هو الطريق إلى المنافسة العالمية.
- كيف تقيّم السوق المصرية؟ وما أبرز فرصها وتحدياتها؟
- السوق المصرية لا تزال تميل بدرجة كبيرة إلى الذهب باعتباره وسيلة للادخار والاستثمار، وهو ما يجعل الإقبال على المجوهرات المرصعة بالماس ينمو بوتيرة أبطأ. كما أن دخول الماس المصنع في المختبر أوجد فئة جديدة من المنتجات تحتاج أيضًا إلى مزيد من التعريف لدى المستهلك.
ورغم ذلك، نرى أن السوق تمتلك فرصًا واعدة بفضل حجمها الكبير، لكن نجاحها يعتمد على زيادة الوعي بأهمية شهادات الاعتماد، لأنها تمنح المستهلك الثقة وتوضح له بدقة طبيعة الحجر الذي يشتريه. - ما الذي يجعل السوق المصرية مهمة بالنسبة لـ IGI؟
- هناك أكثر من سبب. أولًا، وجودنا في مصر يمنحنا بوابة للوصول إلى أسواق شمال أفريقيا. وثانيًا، السوق المصرية نفسها من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة، ورغم أن نموها ما زال تدريجيًا، فإننا نؤمن بإمكاناتها على المدى الطويل، ونسعى إلى ترسيخ اسم IGI باعتباره أول اسم يتبادر إلى ذهن المستهلك عندما يفكر في شهادات اعتماد الألماس والمجوهرات.
- وهل لديكم خطط للتوسع داخل مصر؟
- بالتأكيد. نستهدف التوسع في الإسكندرية باعتبارها سوقًا مهمة، كما ندرس فرصًا في الساحل الشمالي والعلمين وغيرها من المناطق الواعدة. وفي الوقت نفسه نعمل على زيادة فريق العمل ليتواكب مع نمو السوق، وقد صُمم مقرنا الحالي ليستوعب هذا التوسع خلال السنوات المقبلة.
- هل ما زالت السوق المصرية بحاجة إلى مزيد من التوعية بثقافة الماس والأحجار الكريمة؟ وكيف تعملون على ذلك؟
- نعم، فالتوعية تمثل أحد أهم محاور عملنا. ننظم دورات تعريفية مجانية حول الألماس، ونتعاون مع مركز تكنولوجيا الحلي (JTC) وعدد من الجامعات، كما نعمل على الوصول إلى الأجيال الجديدة والمستهلكين من خلال شركائنا وعملائنا. ولا نعتمد على التعليم فقط، بل نستثمر أيضًا في التسويق الرقمي، ونتعاون مع مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، ونطلق حملات موجهة لمنطقة الشرق الأوسط، وتعد مصر جزءًا رئيسيًا منها. كما أن زيارة الرئيس التنفيذي العالمي لـ IGI إلى مصر للمرة الأولى تعكس الأهمية التي نوليها لهذا السوق، بعد دراسات أظهرت وجود فرص نمو جيدة على المدى الطويل.
- لا يزال كثير من المستهلكين يخلطون بين الماس والأحجار الصناعية أو يعتبرونها جميعًا مجرد “زجاج”. هل بدأ هذا المفهوم يتغير؟
- بالتأكيد. خلال الفترة الأخيرة لاحظنا تغيرًا واضحًا في وعي المستهلك. أصبح كثيرون يسألون عن الفرق بين الماس الطبيعي والماس المصنع في المختبر، ويرغبون في معرفة الجودة ودرجة النقاء قبل الشراء.
- كما أصبح الإنترنت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات، وهو ما ساهم في رفع مستوى الوعي بأهمية الحصول على شهادة اعتماد توضح حقيقة الحجر ومواصفاته بدقة.
- ما هي نسبة العملاء الأفراد مقارنة بالمصنعين والتجار؟
- لا يزال المصنعون والتجار يمثلون النسبة الأكبر من عملائنا، بينما تمثل طلبات الأفراد نحو 10% فقط.
لكننا نلاحظ نموًا ملحوظًا في عدد العملاء الأفراد خلال الأشهر الستة الماضية، إذ أصبح الكثير منهم يحضرون مجوهراتهم للحصول على شهادات اعتماد ومعرفة جودة الأحجار وقيمتها، حتى وإن لم يكن لديهم نية للبيع. وهذا يعكس تطورًا تدريجيًا في ثقافة المستهلك المصري. - وما حجم أعمال فرع القاهرة منذ افتتاحه؟
- منذ افتتاح الفرع أصدرنا أكثر من 25 ألف شهادة اعتماد.
أما إجمالي القطع التي استقبلناها للفحص، سواء كانت أحجارًا منفردة أو مجوهرات، فقد تجاوز 35 ألف قطعة، وذلك من خلال أكثر من 200 عميل.

- كيف تنظرون إلى مستقبل IGI في الشرق الأوسط؟ وما أثر استحواذ Blackstone على خطط التوسع؟
- هدفنا أن تصبح IGI الاسم الأول الذي يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن شهادات اعتماد الألماس والمجوهرات. نحن اليوم من أكبر المختبرات المستقلة في العالم، ونتوسع باستمرار، ومن المقرر افتتاح فرع جديد في المملكة العربية السعودية، إلى جانب مكاتبنا في دبي وتركيا ومصر.
أما استحواذ Blackstone، فقد كان له تأثير إيجابي واضح؛ إذ وفر للشركة إمكانات أكبر للتوسع في الأسواق الاستراتيجية، ومنحها مرونة في إنشاء كيانات جديدة ودخول أسواق جغرافية جديدة، بما يدعم انتشار ثقافة شهادات الاعتماد ويعزز نمو الشركة. - إذا قارنا سوق المجوهرات في مصر بسوق دبي، فما أبرز الفروق بينهما؟
- لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة، لأن لكل سوق ظروفه الخاصة. دبي عدد سكانها ١٠ مليون لكنها تُعد مركزًا عالميًا لتجارة الذهب والماس، وتستقبل ملايين السائحين سنويًا، وهو ما يمنحها حجمًا وطبيعة مختلفين، أما مصر تعدادها ١٢٠ مليون، وتمتلك سوقًا محلية كبيرة وقاعدة صناعية قوية، وهو ما يمنحها فرصًا واعدة إذا استمرت في تطوير الصناعة، ورفع كفاءة الكوادر، وزيادة الوعي، وتعزيز التصدير. لذلك لا ننظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية فقط، بل نرى أنها قادرة على أن تصبح مركزًا إقليميًا لصناعة وتصدير المجوهرات.
يوهان دي سوزا: تنمية القطاع تحتاج الاستثمار في التعليم وتحديث البيئة التشريعية والتنظيمية
- إذا أرادت مصر التحول من سوق استهلاكية إلى مركز إقليمي لصناعة وتصدير المجوهرات، فما الأولويات من وجهة نظرك؟
- تمتلك مصر مقومات قوية تؤهلها لذلك، لكن النجاح يتطلب العمل على أكثر من محور في الوقت نفسه. في مقدمتها الاستثمار في التعليم والتدريب، لأن الصناعة تعتمد على مهارات متخصصة في التصميم والتصنيع وفحص الأحجار. كما أن وجود كوادر مؤهلة يساعد المصانع على تطوير منتجاتها والمنافسة في الأسواق الخارجية، سواء في أفريقيا أو الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، يحتاج القطاع إلى بيئة تنظيمية وتشريعية داعمة، إلى جانب سياسات تشجع الاستثمار والتوسع، لأن تطوير الصناعة لا يعتمد على التعليم وحده، بل على منظومة متكاملة تضم التشريعات والبنية التحتية والتمويل. - وما نوع الدعم الذي يمكن أن يسرّع هذا التحول؟
- أرى أن التمويل طويل الأجل سيكون من أهم عوامل النجاح. فإذا توفرت برامج تمويل ميسرة تمتد لعشرين أو خمسة وعشرين عامًا، فتشجع المستثمرين على إنشاء مصانع جديدة والتوسع في الإنتاج. هذا النوع من الدعم يقلل من المخاطر، ويمنح الشركات ثقة أكبر في الاستثمار، بما يسهم في بناء قاعدة صناعية قوية ويعزز قدرة مصر على التحول إلى مركز إقليمي لصناعة وتصدير المجوهرات.
- وهل ترى أن التمويل يمثل أحد عناصر هذه الاستراتيجية؟
- بالتأكيد. توفير برامج تمويل طويلة الأجل يشجع المستثمرين على إنشاء مصانع جديدة والتوسع في الإنتاج، ويمنحهم ثقة أكبر في الاستثمار. وإذا تم إعداد مشروع متكامل يبدأ من التعدين، ويمر بالتصنيع والتسويق، وصولًا إلى خدمات ما بعد البيع، فأعتقد أنه سيكون مشروعًا يستحق الدراسة من جانب الجهات المعنية، خاصة إذا حظي بالدعم الحكومي المناسب على مستوى التشريعات والتنفيذ.
- ما الرسالة التي تود توجيهها إلى السوق المصرية بشأن مستقبل IGI؟
- رسالتنا واضحة: نحن موجودون في مصر لنستمر، وليس لمجرد افتتاح فرع. نعمل على ترسيخ اسم IGI، والتوسع في مدن جديدة، وزيادة حجم عملياتنا بما يتناسب مع نمو السوق. وفي الوقت نفسه، نؤكد أن دورنا ينحاز إلى المستهلك، وليس إلى التاجر أو المصنع. فمن حق كل مستهلك أن يعرف بدقة ما الذي يشتريه، ولهذا تظل شهادة الاعتماد عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة داخل السوق.
لقراءة المزيد:
رئيس مركز تكنولوجيا الحُلي: تطوير صناعة الذهب تبدأ بتعليم فني متطور يربط البحث العلمي باحتياجات السوق
عندما يتحدث الماس.. البرتغالية!
GIA يستحوذ على 30% من منصة Tracr- De Beers لتعزيز شفافية تتبع الماس عالميًا
دليل المشاركة في جوائز تصميم المجوهرات ل HRD Antwerp لسنة 2027




