أحمد بن سليم: لا يمكن تحويل الماس إلى سلعة جماهيرية والاحتفاظ بأسعاره الفاخرة.. والإمارات تدعو لزيادة نصيب الدول الأفريقية من القيمة المضافة
شهد اليوم مؤتمر دبي للماس 2026، فعاليات اليوم الرئيسي الذي عقده مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) في 26 أكتوبر، طرح رؤى جديدة لإعادة بناء صناعة الألماس الطبيعي، في مقدمتها التوقف عن المنافسة السعرية المباشرة مع الألماس المصنع معمليًا، وإعادة التركيز على الندرة والحرفية وإثبات المنشأ، بالتوازي مع تطوير أدوات التمويل والاستثمار في الأحجار الطبيعية.
وجمعت الدورة السابعة للمؤتمر ممثلين عن الدول المنتجة ومراكز تصنيع الماس وتجارته والمؤسسات المالية والجهات التنظيمية، تحت شعار “الماس 2.0.. إعادة ضبط الاستراتيجية، إحياء الطلب وخلق قيمة جديدة”، وسط مناقشات حول التحديات الهيكلية التي تواجه السوق، وحدود النموذج التجاري التقليدي، وإمكانية توسيع استخدام الماس كأصل استثماري.
وأسفر اليوم عن إطلاق دراسة استراتيجية تستلهم تجربة الساعات السويسرية في مواجهة المنافسة الصناعية، وإعلان شراكة تعليمية جديدة بين دبي ومؤسسة HRD Antwerp البلجيكية، فيما تركزت أبرز التصريحات على مستقبل القيمة التجارية للماس الطبيعي وضرورة إعادة تنظيم علاقات التمويل والتصنيع والتجارة.
بن سُليم: الصناعة أخطأت عندما حاولت جعل الماس منتجًا جماهيريًا
طرح أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي الأول والمدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة، انتقادًا مباشرًا للاستراتيجية التسويقية التاريخية لصناعة الماس الطبيعي، معتبرًا أن الشركات حاولت توسيع قاعدة المستهلكين وتحويل الماس إلى منتج يصل إلى كل منزل، مع الاستمرار في معاملته باعتباره سلعة فاخرة مرتفعة الثمن.
وأوضح، في تصريحات لصحيفة Gulf News على هامش المؤتمر، أن الجمع بين الانتشار الجماهيري والحفاظ على الأسعار الفاخرة يمثل تناقضًا يصعب استمراره، خاصة مع ظهور بدائل أرخص تؤدي الوظيفة الجمالية نفسها.
واستشهد بتجربتين تاريخيتين؛ الأولى صناعة الساعات السويسرية التي واجهت أزمة انتشار ساعات الكوارتز، لكنها نجحت في إعادة تقديم الساعة الميكانيكية باعتبارها منتجًا يعكس الحرفية والتراث والمكانة الاجتماعية.
أما الثانية فكانت صناعة اللؤلؤ الطبيعي في الخليج، التي واجهت منافسة اللؤلؤ المستزرع الياباني خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ولم تتمكن من الاستجابة بالفاعلية نفسها، بالتزامن مع عوامل أخرى أسهمت في تراجعها.
واعتبر بن سليم أن الدرس الرئيسي من التجربة السويسرية يتمثل في عدم التخلي عن القيمة المميزة للمنتج لمجرد ظهور بديل أقل تكلفة، وإنما إعادة تحديد موقعه في السوق والفئة المستهدفة.
مؤتمر دبي للماس: خلاف حول تسمية الماس المصنع معمليًا
وتطرق بن سليم إلى الجدل المتواصل حول تسمية الماس المصنع معمليًا، مشيرًا إلى تنامي الاستثمارات في إنتاجه مقارنة بعام 2016، واتساع سلسلة توريده بين الصين بوصفها مركزًا للإنتاج، والهند في عمليات القطع والصقل، والولايات المتحدة باعتبارها سوقًا استهلاكية رئيسية.
وقدر بن سليم حصة المشترين الأمريكيين بنحو 55 إلى 60% من الطلب الذي أشار إليه، مؤكدًا أهمية توعية المستهلك بالاختلاف بين الأحجار الطبيعية والمصنعة معمليًا، في ظل صعوبة التمييز بينهما دون فحوص متخصصة.
وأشار إلى تزايد الدعوات لاستخدام وصف «Synthetic» للماس المصنع معمليًا، متوقعًا تدخل الجهات التنظيمية الأمريكية إذا لم تتوصل الصناعة إلى توافق بشأن التسميات.
وتعكس هذه التصريحات استمرار الخلاف بين الأطراف المختلفة حول المصطلحات التجارية، رغم التطورات الأخيرة في المعايير المهنية الدولية، وهو ما يجعل التمييز بين التعريف العلمي والوصف التسويقي أحد عناصر المنافسة المستقبلية بين الفئتين.
الإمارات: الدول الأفريقية يجب أن تستفيد من التصنيع والتمويل
وفي كلمته أمام المؤتمر، أكد عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي، أن تطوير تجارة الماس لا ينبغي أن يقتصر على انتقال الأحجار بين مراكز الإنتاج والتصنيع والاستهلاك، وإنما يجب أن يسهم في نقل الاستثمارات والخبرات والتمويل إلى الدول المنتجة.
وأوضح أن الإمارات تربط الدول الأفريقية المنتجة للماس بمراكز التصنيع في الهند وآسيا والأسواق الاستهلاكية العالمية، مشددًا على ضرورة أن يحقق هذا الترابط قيمة اقتصادية للطرفين.
وأكد أن استفادة الدول المنتجة يجب أن تشمل فرص الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل اقتصاداتها، من خلال الاستثمار وتنمية المهارات وتوسيع الأنشطة المرتبطة بصناعة الماس.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تسعى فيه دول أفريقية منتجة، وفي مقدمتها بوتسوانا، إلى تعزيز دورها في أنشطة التصنيع والتسويق والتجارة، بالتوازي مع المطالبة بنصيب أكبر من العائد الاقتصادي للأحجار المستخرجة من أراضيها.
وشاركت وزيرة المعادن والطاقة في بوتسوانا، بوجولو جوي كينيويندو، بكلمة مصورة خلال المؤتمر، بينما لم يعلن المنظمون اتفاقًا جديدًا يتعلق بإعادة هيكلة ملكية شركة دي بيرز أو مستقبل بيعها.

41.7 مليار دولار تجارة ألماس في دبي
كشف مسؤولو مركز دبي للسلع المتعددة أن تجارة الماس في دبي بلغت مستوى قياسيًا قدره 41.7 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة 16.2% على أساس سنوي، وبحجم إجمالي بلغ 359.5 مليون قيراط.
واستحوذ الماس الطبيعي على 95.8% من القيمة الإجمالية للتجارة، بينما بلغت قيمة تجارة الماس الخام الطبيعي 21.2 مليار دولار.
وأشار بن سليم إلى ارتفاع قيمة تجارة الماس المصقول في دبي بنسبة 246% منذ عام 2020، في انعكاس لتحول الإمارة من مركز يركز أساسًا على تجارة الخام إلى مركز يتوسع في تداول الأحجار المصقولة والأنشطة المرتبطة بها.
وتعكس الأرقام اتساع دور دبي في حركة التجارة الدولية، لكنها لا تمثل مبيعات نهائية للمستهلكين، كما لا تعني أن الزيادة في قيمة التداول تعادل نموًا بالنسبة نفسها في الطلب الاستهلاكي العالمي.
التجربة السويسرية.. دراسة جديدة لإنقاذ القيمة التجارية للماس الطبيعي
شهد المؤتمر إطلاق دراسة بعنوان «The Swiss Parallel»، أعدها مركز دبي للسلع المتعددة بالتعاون مع ORIGINALLUXURY، بمشاركة أكاديمية من جامعة لوزان السويسرية.
وتتناول الدراسة تجربة صناعة الساعات الميكانيكية السويسرية بعد ظهور ساعات الكوارتز، وكيف انتقلت الشركات من المنافسة على الوظيفة والسعر إلى بناء قيمة ترتبط بالحرفة والتراث والتصميم والندرة.
وتقترح الدراسة سبعة مسارات استراتيجية لإعادة تنشيط سوق الماس الطبيعي، تتناول التمييز بين الفئات المختلفة للأحجار، وتعزيز إثبات المنشأ والأصالة، وتطوير الحوكمة المشتركة، وإنشاء بنية أكثر ملاءمة للاستثمار.
ويستهدف الإطار المقترح إعادة تموضع الماس الطبيعي خلال المرحلة المقبلة، بما يسمح بإبراز خصائصه الجيولوجية والتاريخية والحرفية باعتبارها مصادر للقيمة يصعب اختزالها في المقارنة السعرية مع الماس المصنع معمليًا.
ولم يعلن المؤتمر اعتماد الدراسة باعتبارها خطة تنفيذية ملزمة لجميع المؤسسات المشاركة، وإنما طرحها أساسًا لمناقشة التحولات اللازمة لإعادة بناء الطلب والقيمة داخل الصناعة.
التمويل المصرفي للماس.. دعوة إلى تقييم أكثر انضباطًا للمخاطر
وفي محور آخر، أكد أحمد بن سليم أن مستقبل صناعة الماس يرتبط أيضًا بتطوير التمويل المصرفي المتخصص، وليس فقط بتنشيط الطلب على المجوهرات.
وأوضح أن تمويل تجارة الماس يمكن أن يكون نشاطًا مربحًا وفعالًا عندما يعتمد على الخبرة الفنية المتخصصة، والتقييم المنضبط للمخاطر، واختيار العملاء الملائمين.
وربط هذه المتطلبات بالمناقشات المتعلقة بإمكانية تحويل فئات مختارة من الماس الطبيعي النادر والموثق إلى أصول استثمارية، مؤكدًا ضرورة تطبيق معايير مماثلة من الانضباط في التقييم والتمويل.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية في ظل الضغوط التي تواجه شركات التعدين والتصنيع والتجارة نتيجة تراجع أسعار بعض فئات الماس، وما يترتب عليه من تحديات في تقييم المخزون المستخدم ضمانًا للحصول على التمويل.
كما ناقش المؤتمر إمكانات تطوير الأسواق الثانوية للألماس والملكية الجزئية للأحجار، واستخدام الترميز الرقمي (Tokenisation) في تمثيل ملكيتها وتسهيل تداولها.
لكن المناقشات أظهرت أن نجاح هذا التوجه يتطلب تجاوز تحديات التسعير المرجعي والسيولة وإعادة البيع والحماية التنظيمية للمستثمرين، ولم تشهد الفعاليات إعلان إنشاء سوق دولية موحدة جديدة لتداول الماس المُرمّز.

شراكة مع HRD Antwerp لتطوير التعليم الفني والتصنيف
وعلى مستوى النتائج التنفيذية، أعلن مركز دبي للسلع المتعددة اتفاق شراكة بين أكاديمية دبي للتصميم ومؤسسة HRD Antwerp البلجيكية لتقديم برامج تدريب وتأهيل مهني في تصنيف الماس وعلم الأحجار الكريمة وتصميم المجوهرات، وبموجب الاتفاق، تقدم المؤسسة البلجيكية برامج متخصصة، ويحصل المشاركون الذين يجتازونها على شهادات مهنية معترف بها دوليًا.
وقال بول دي واتشر، الرئيس التنفيذي لـHRD Antwerp، إن المعرفة تمثل أساس الثقة في صناعة الماس، وإن الشراكة تتيح نقل الخبرات الفنية إلى جيل جديد من المتخصصين في الإمارات، وتدعم الاتفاقية مساعي دبي للتوسع في خدمات الفحص والتصنيف والتصميم والتعليم المتخصص، إلى جانب دورها التجاري في تداول الأحجار الخام والمصقولة.
إعادة بناء الطلب أم فتح سوق استثمارية جديدة؟
تعكس تصريحات ومخرجات اليوم الأول لمؤتمر دبي للماس اتجاهًا نحو معالجة الأزمة الحالية من مسارين متوازيين؛ أولهما إعادة بناء الطلب الاستهلاكي على الماس الطبيعي اعتمادًا على الندرة والحرفية والأصل، وثانيهما البحث عن مصادر جديدة للقيمة من خلال التمويل والاستثمار والتقنيات الرقمية.
لكن نجاح هذا التحول لا يزال مرتبطًا بقدرة مؤسسات الصناعة على الاتفاق على أدوات واضحة لإثبات المنشأ والتصنيف والتسعير، وبناء أسواق تتمتع بالسيولة والشفافية، دون افتراض أن مجرد ترميز الأحجار سيحولها إلى أصول استثمارية مستقرة.
ومن المقرر أن تستكمل فعاليات المؤتمر يوم 27 أكتوبر بلقاءات تجارية وعروض تطبيقية، بالتزامن مع انطلاق معرض Jewellery, Gem & Technology Dubai، الذي يستمر حتى 29 أكتوبر.
لقراءة المزيد:
إنفينيتي.. ماسة سوداء تزن 888.88 قيراطًا تظهر خلال مؤتمر دبي للماس
دبي تبحث آليات ترميز الماس والأحجار الكريمة..هل يفتح الباب لتداولها رقميًا؟
بورصة بهارات تُحمّل مبعوثة الهند الجديدة إلى بوتسوانا رسائل بشأن أهم تحديات تجارة الماس بين الدولتين


