تعاني بوتسوانا من أزمة فائض ماسي حادة أثّرت ليس فقط على اقتصادها الوطني بل امتدت تداعياتها إلى سوق المجوهرات الدولية. حيث بلغت كميات الماس الخام المتراكمة في المخزون في بتسوانا والتي تعد إحدى أهم دول العالم في إنتاج الماس الطبيعي، نحو 12 مليون قيراط بنهاية ديسمبر 2025، أي ما يزيد بنسبة 85% عن الحد المسموح به حكوميًا البالغ 6.5 مليون قيراط، مما يعكس أزمة عميقة في صناعة الماس الخام. وذلك وفقا لتقرير نشرته “بيزنس انسايدر أفريكا.
أسباب الأزمة: ضعف الطلب ومنافسة الأحجار الصناعية
تتعدد الأسباب التي أدت إلى تراكم المخزون الماسي بوتيرة غير مسبوقة، لكن الأبرز يبقى ضعف الطلب العالمي على الماس الطبيعي، خاصة في الأسواق الرئيسية مثل الولايات المتحدة والصين، حيث قام تجار التجزئة بتقليص الطلبات بسبب تراجع المبيعات وتحول المستهلكين نحو بدائل أرخص.
إلى جانب ذلك، تلعب الأحجار الماسية المزروعة مخبريًا (Lab-Grown Diamonds) دورًا متزايدًا في الضغط على الطلب التقليدي على الماس الطبيعي، إذ تقدم بدائل بأسعار أقل بكثير للمستهلك النهائي، ما يؤثر بشكل مباشر على الأسعار وحركة البيع في قطاع المجوهرات الثمينة.
الانعكاسات الاقتصادية على بوتسوانا
لا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق الاقتصادي لبوتسوانا، التي تعتمد بشكل كبير على الماس كمصدر رئيسي للإيرادات والعملات الأجنبية. فالقطاع الماسي يُساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي و80% من الصادرات، ما يجعل تراجع الطلب وتكدس المخزون له تأثير مباشر على المالية العامة للاقتصاد.
وأشارت وزارة المالية في تقريرها إلى أن ضعف الأسعار وتراجع الطلب العالمي يؤثران على الآفاق الاقتصادية، متوقعة أن يظل الإنتاج عند مستويات ثابتة على المدى القصير حتى يتم تخفيض مستويات المخزون لمستويات أكثر استدامة.
كما حذّرت الوثيقة من أن التراجع الحاد في السوق “يمثل تهديدًا مهمًا” للنمو الاقتصادي، خاصة في ظل توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1% في 2025 بعد تراجع قدره 3% في العام السابق.
هبوط الأسعار وضغوط السوق العالمية
تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن أسعار الألماس الخام تواجه ضغوطًا كبيرة، إذ تشير التوقعات إلى أن متوسط سعر القيراط قد يصل إلى 99.3 دولارًا مقارنة بـ128.8 دولارًا في 2024. وإذا انخفض السعر أكثر خلال السنة المالية الجارية، فإن ذلك قد يقلل عائدات صادرات الماس دون التوقعات الحالية.
كما أن التعريفات الجمركية المفروضة في أسواق رئيسية مثل الولايات المتحدة (15% على واردات الألماس) وارتفاع الرسوم في أسواق أخرى مثل الهند، قد يطيل من ضعف الأسعار ويقلص هامش الأرباح لدى المنتجين والمصدرين.
خفض الإنتاج وإجراءات احترازية
في مواجهة ضعف الطلب وارتفاع المخزون، لجأت شركات التعدين الكبرى إلى خفض الإنتاج مؤقتًا في المناجم الرئيسة. ويأتي هذا ضمن شراكة بوتسوانا مع شركة Debswana، المشروع المشترك بنسبة 50:50 مع دي بيرز، الذي يعد مسؤولًا عن نحو 90% من مبيعات الماس في البلاد.
وسعت Debswana بالفعل إلى تقليص استثمارات الإنتاج لخفض التكاليف وتشجيع استقرار الأسعار، في ظل سوق عالمي يعاني من تباطؤ غير مسبوق منذ منتصف 2023.
تداعيات ممتدة على المالية العامة والاحتياطيات
أفادت تقارير اقتصادية أن الفائض وارتفاع المخزون الماسي لم يؤثرا فقط على الإيرادات المتوقعة، بل أديا أيضًا إلى تراجع الاحتياطات الأجنبية للحكومة، وتقلص المدخرات العامة، وتضييق الخيارات السياسات النقدية للحكومة.
وتشير تحليلات من مؤسسات مالية إلى أن الدولة قد تواجه عجزًا طويل الأمد في الإيرادات المادية إذا لم يشهد الطلب العالمي تعافيًا ملموسًا، وقد يتحول الانخفاض في العائدات إلى “انخفاض دائم في مستوى النشاط الاقتصادي” في حال عدم اتخاذ إجراءات هيكلية للتصدي للأزمة.
انعكاسات عالمية وصياغة مستقبل صناعة المجوهرات
أزمة الفائض في بوتسوانا ليست مجرد حالة مؤقتة في سوق الخام، بل تعكس تحوّلات هيكلية في سوق المجوهرات عالمياً. فبينما يواصل الألماس المستزرع مخبريًا جذب شريحة واسعة من المشترين، تواجه صناعة الألماس الطبيعي تحديات حقيقية في استعادة الطلب والنمو.
واستجابة للضغوط المتزايدة، أطلق منتجو الألماس الطبيعي حملات تسويق جماعية تهدف إلى تعزيز مكانة الألماس الطبيعي لدى المستهلكين وصناع المجوهرات، مستفيدين من قيمته التراثية والندرة التي تميّزه عن البدائل الصناعية.
ويبدو أن المستقبل القريب سيتطلب من منتجي الأحجار الطبيعية ابتكار استراتيجيات تسويق جديدة، والتركيز على القيمة الرمزية والاختلاف النوعي للألماس الطبيعي، لضمان استمرارية الطلب في وجه بدائل صناعية أرخص وأكثر توافرًا.



