بث تجريبي

من التعدين إلى التجارة والتصدير:

خطوات نحو توطين صناعة الذهب والمجوهرات في مصر

إعداد: كنوز.نيوز

جاء قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتأسيس اللجنة العليا للذهب كاشفا لتوجهات الدولة المصرية بالاهتمام بتنظيم قطاع الذهب في مصر، حيث تشكلت اللجنة من كافة الهيئات المحكومية المعنية بالقطاع بداية من مرحلة التعدين مرورا بالاستثمار والتصنيع والتجارة والرقابة على الجودة، وتشكلت اللجنة بعضوية ممثلين عن كافة الجهات الحكومية المعنية بهذا القطاع، وتتضمن كل من  الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية، وزير الصناعة والنقل، وحسن عبدالله، محافظ البنك المركزي، والدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، والمهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، والمستشار أحمد سعيد خليل، رئيس مجلس أمناء وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والدكتور محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، وياسر صبحي، نائب وزير المالية للسياسات المالية، والدكتور محمود ممتاز، رئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ومحمد أبو موسى، مساعد محافظ البنك المركزي، وأحمد أموي، رئيس مصلحة الجمارك المصرية.

اجتماع لجنة العليا للذهب في مصر- مجلس الوزراء المصري
اجتماع لجنة العليا للذهب في مصر- مجلس الوزراء المصري

 

تأتي هذه الخطوة كحجر زاوية في تنمية قطاع الذهب في مصر وتحويله من مجرد نشاط تعديني إلى صناعة متكاملة قادرة على المنافسة في هذا القطاع الهام المتنامي على مستوى العالم خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والجيوسياسية العالمية التي تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وسط حالة اللايقين المسيطرة بفعل الحرب التجارية القائمة بين أقطاب الاقتصاد العالمي. والتي تؤثر بدورها على الاقتصاد المصري القادر على تحويل الأزمة إلى فرصة قوية للنمو وتحويل الذهب إلى عنصرا أساسيا يضيف للاقتصاد الكلي لمصر، من خلال رفع القيمة المضافة للمعدن النفيس، واستغلال موقع مصر المتوسط بين سلاسل الامداد العالمية لهذه الصناعة، حيث تتوسط مصر من خلال موقعها طريق سلاسل الإمداد بفعل تواجدها بالقرب من مصادر الخام في أفريقيا وأسواق الاستهلاك في آسيا وأوروبا.

 

  • توطين الصناعة

جاء تشكيل اللجنة العليا للذهب في مصر معبرا عن طموحات مصر وقدرتها على تفعيل دورها في هذا القطاع العالمي بدلا من الاكتفاء بتصدير الخام الذي يستخرج من المناجم المصرية المتمركزة في الجنوب الشرقي – المثلث الذهبي- لمصر. وذلك عبر عدة خطوات جادة بدأتها مصر بتعديل قانون هيئة الثروة المعدنية وفتح المجال أمام المزيد من عمليات التعدين في الذهب أمام الشركات المصرية والعالمية، وتلتها بتوقيع اتفاقية مبدئية لدراسة إنشاء بنك الذهب الأفريقي لتكون هذه الاتفاقية بمثابة استغلال لموقع مصر الجغرافي وباعتبارها مركزا لوجيستيا وصناعيا قادر على خدمة القارة الأفريقية المنتجة لخام الذهب والأحجار الكريمة التي تعتبر عماد صناعة المجوهرات بصفة عامة. لتأتي فكرة إنشاء مصفاة بمواصفات عالمية معتمدة للذهب لتوفر منفذا هاما لتنقية ومعايرة الذهب المصري والأفريقي بما يقلل من تكاليف الإنتاج وتوفير تكلفة سلاسل الإمداد التي كانت تضيف على الذهب أعباء إضافية بنقله إلى مصافي أخرى في أسيا وأوروبا.

كان اهتمام القيادة المصرية بالذهب خلال الفترة الحالية معبرا عن فهم عميق لأهمية هذا المعدن الثمين في اقتصادات الدول والاستثمارات العالمية التي لم تجد سوى الذهب ملاذا آمنا لمدخراتها واحتياطياتها الرسمية أمام تأرجح الدولار وتذبذب القرارات الأمريكية الأخيرة التي أثرت بشكل فعال على الاقتصاد العالمي وأحدثت حالة من التوتر والضبابية أضعفت من قيمة الأسهم والسندات وما دونها من أشكال الاستثمار، ليعود الاقتصاد العالمي إلى ما بدأ عليه من ركائز اقتصادية قبل مرحلة الاعتماد على الدولار.

 

  • تحديات عملية التعدين في مصر

تواجه عملية التعدين واستخلاص وتنقية الذهب في مصر عدة تحديات، حيث تعتمد في جزء منها على المناجم والمصانع الكبرى التي تشترك فيها الدولة مع شركات تعدين عالمية تعمل بكفاءة تعدينية وتصنيعية متفوقة، في حين تبقى معظم الشركات الوطنية حديثة الإنشاء تفتقر إلى الكفاءة التكنولوجية المتقدمة وإلى التمويل اللازم لتنظيم عمليات التنقيب والطحن والاستخلاص، حيث تعتمد في جزء كبير منها على العمالة المحلية العشوائية والدهابة والطواحين الأهلية التي تعمل بأساليب بدائية محلية إلى حد ما، مما يحد من كفاءة الاستخلاص والسبك وجودة المنتج النهائي، فلا تزال الطواحين الأهلية المنشرة في أسوان وإدفو وقنا تعمل بشكل غير نظامي، ويعاني أصحابها من عدم القدرة على الحصول على التراخيص الرسمية اللازمة للعمل بشكل رسمي، كما تعاني الشركات الرسمية المتعاونة مع هذه الطواحين والمسابك من عدم وجود لائحة منظمة لهذا العمل، مما يفقد عملية الاستخلاص والتكرير والسبك جزءا كبيرا من قدرتها وكفاءتها على العمل.

  • ما بعد التعدين

مع الاهتمام بصياغة استيراتيجية قومية لقطاع الذهب والمجوهرات في مصر، كان من الضروري استطلاع آراء القائمين على الصناعة والتجارة في المشغولات الذهبية التي تعد من أهم المراحل الكفيلة بتحقيق القيمة المضافة للخام المصري، والتي يمكن أن تحقق لمصر دخلا قوميا مرتفعا من العملات الأجنبية في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالمشغولات والمجوهرات بصفة عامة، فبالرغم من التوجه الحالي للاقبال علي السبائك والعملات التي تعد وعاء إدخاريا هاما في ظل الظروف الحالية في وقت الأزمات، إلا أن الاهتمام بصناعة المشغولات والمجوهرات يعد الحصان الرابح القادر على الاستمرار بعد انحسار الأزمات، وهو ما يقتضي البدء في وضع بنية تشريعية وصناعية وإجرائية لتنظيم العمل في هذا القطاع، بما يتيح للمشغولات المصرية قدرة أعلى على المنافسة من ناحية السعر والتصميم وجودة الإنتاج.

وفي هذا الصدد جاء رأي إيهاب واصف رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية مؤكدا على ضرورة الاهتمام بدراسة مدخلات الإنتاج والاهتمام بتصنيع المعدات وماكينات الإنتاج التي تحتاجها المصانع المصرية، قائلا:
المصانع في مصر تقوم باستيراد الكثير من المعدات التي يمكن تصنيعها في مصر بسهولة لتوفير الانفاق المستهلك في استيراد هذه المعدات، فحين تتوفر هذه الماكينات في مصر تصبح الورش والمصانع على حد سواء قادرة علي العمل بشكل أكثر فاعلية وبدون الخوف من توقف عمليات الإنتاج بسبب عدم توفر بعض قطع الغيار أو المعدات التي تستهلكها هذه الصناعة، فهناك قطع وماكينات يمكن سبكها وتوفير الاسطمبات الخاصة بها في مصر.

ايهاب واصف رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية
ايهاب واصف رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية

ويشير رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة إلى عنصر آخر لا يقل أهمية في تطوير صناعة الذهب في مصر وهو العنصر البشري المتمثل في الايدي العاملة المدربة التي أصبح السوق يفتقر إليها بشكل كبير في ظل عزوف الشباب عن هذا القطاع بسبب تذبذب قدرة المصانع على التصنيع بفعل الارتفاعات الحادة في أسعار الذهب الأمر الذى أدى إلى عدم قدرة بعض الورش والمصانع على الاستمرار بالقدر المناسب لهذه الصناعة، فقطاع صناعة الذهب من القطاعات التي تحتاج إلى عمالة كثيفة، كما تحتاج هذه العمالة إلى تدريب فني مكثف نظرا لحساسية ودقة التصنيع وكثرة مراحل.
مؤكدا أنه كصانع للمشغولات قد يلجأ أحيانا إلى الاستعانة بكوادر أجنبية لتدريب العاملين بالمصنع على بعض التقنيات الحديثة التي تظهر كل يوم في هذا القطاع، مما يرفع من تكلفة الإنتاج بشكل كبير.
ويشير المهندس هني ميلاد إلى استعداد الشعبة العامة للذهب والمجوهرات للتعاون مع الجهات المعنية للمساهمة في وضع الاستيراتيجية الكاملة لتنمية قطاع الذهب والمجوهرات في مصر للوصول إلى أفضل الآليات لدفع هذا القطاع للنمو بما يعزز مكانة مصر وتحويلها لمركز عالمي في صناعة. وتجارة الذهب والمجوهرات على مستوى العالم.

 

كما يؤكد واصف على أن العمل في صناعة المشغولات الذهبية يعتمد في المصانع الكبرى على عمال وموظفين أساسيين يتمتعون بتأمين شامل في المصانع، إلا أن هناك مواسم للعمل قد يضطر فيها المصنع للاستعانة بعمالة موسمية غير دائمة في بعض الأوقات لسرعة تلبية احتياجات السوق، وهو الأمر الذي يجد فيه كصانع صعوبة في الحصول على هذه العمالة الحرة المدربة، لذلك يلجأ إلى الاستعانة بالخريجين الجدد لتدريبهم جنبا إلى جنب مع المتمرسين في الصناعة مما قد يؤثر أحيانا على سرعة التشغيل وجودة الإنتاج. مؤكدا على حاجة السوق إلى المزيد من المدارس والكليات التي تقوم بالمزج بين الدراسة الأكاديمية والتدريب الفني للدارسين لضخ دماء جديدة في السوق.

 

  • التجارة.. ما بين الضرائب والتسعير

 

تنفصل مرحلة تجارة الذهب كليا عن مراحل التصنيع، فبالرغم من أن آغلبية أصحاب المصانع يمارسون تجارة المشغولات وعلى دراية بأسرارها، إلا أن قطاع تجارة المشغولات يعد قطاعا قائما بذاته وله التحديات الخاصة به والتي قد تتداخل مع الصناعة وتحتاج إلى تنظيم، فلا تزال عملية تحديد الشريحة المحاسبية لتجار الجملة والتجزئة مشكلة تبحث عن حلول جذرية توفر الاستقرار للسوق، وهو ما تقوم عليه شعبة تجارة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية والتي يرأسها المهندس هاني ميلاد جيد، والذي تحدث عن التحديات التي تواجه تجار التجزئة بصفة خاصة ليستعرض جانبا منها قائلا:

م. هاني ميلاد رئيس شعبة تجارة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية
م. هاني ميلاد رئيس شعبة تجارة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية

تواجه التجار عدة تحديات نسعى منذ سنوات للبحث عن حلول جذرية لها لتوفير مناخ مناسب يحقق الاستقرار للسوق، ومنها المحاسبة الضريبية للتجار والحصول على دعم صادرات للمشغولات المصرية وكذلك المطالبة بمعاملة المشغولات كالسبائك عند التصدير وإعفائها من ضريبة القيمة المضافة، وبالفعل نجحنا في حل بعضها مثل رفع رسوم التثمين المقررة على المشغولات الذهبية المعدة للتصدير، والتي أصبحت تمثل رقما كبيرا من تكلفة المنتج بعد ارتفاع سعر الذهب لأنها كانت تمثل نسبة من سعر المنتج بالكامل، وهذا ما تم بقرار من وزير التموين السابق الراحل الدكتور على المصيلحي، إلا أن هناك إشكاليات لم تحسم بشكل قاطع بعد، مثل الاتفاق على شريحة المحاسبة الضريبية لتجار التجزئة التي كانت تحتسب فيما مضى على اجمالي سعر الخام والمصنعية، وتوصلنا مع مصلحة الضرائب إلى اتفاقية مرحلية لاحتساب الضريبة على قيمة المصنعية، إلا أن هذه الاتفاقية تحتاج إلى تجديد كل فترة، وبالفعل توصلنا إلى اتفاقية جديدة لكنها لم تعتمد بهد، وهذا الأمر يؤثر بدوره على استقرار السوق حيث يشعر التجار بالقلق المستمر بسبب عدم وجود قرار صريح يسرى على كل سنوات المحاسبة الضريبية، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تشريع جديد أو قرار رسمي لحين صدور القانون الجديد للتجارة والتموين.

ويضيف رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية: لقد تقدمنا بمذكرات رسمية لصندوق دعم الصادرات المصرية لضم المشغولات الذهبية للسلع الحاصلة على الدعم، مقترنا بدراسة وافية للواقع الحالي والمكاسب التي تعود على الاقتصاد المصري في حالة تطبيق دعم الصادرات على المشغولات الذهبية، كما تقدمنا بمذكرة أخرى لوزارة التموين لإعفائ الرسائل المصدرة من تحصيل ضريبة القيمة المضافة التي يتم تحصيلها من المنبع عند دمغ المصوغات، الأمر الذي يرفع من قدرة المشغولات المصرية على المنافسة ويوفر للمُصدر سيولة مالية تجعل دورة رأس المال أسرع وأكثر فاعلية.

المصدر: الأهرام الاقتصادي

 

مقالات مختارة

التحول الجذري: حقائق جديدة في سوق الماس بالصين
فريال زروقي: عندما تنهض.. توقع أن تكون مستهدفا !