شهدت أسهم مجموعة LVMH تراجعًا حادًا بنسبة 28% خلال الربع الأول من عام 2026، في أسوأ بداية ربع سنوي تسجلها الشركة منذ إدراجها في البورصة عام 1987. هذا الانخفاض يتجاوز خسائرها خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020، والأزمة المالية العالمية في 2008، وانهيار فقاعة الإنترنت عام 2001.مما أثر بدوره على مبيعات المجوهرات.
حيث تكبّد برنارد أرنو، رئيس المجموعة، خسارة ضخمة في ثروته الشخصية بلغت نحو 55.4 مليار دولار وفق مؤشر بلومبرغ للمليارديرات، لتتراجع ثروته إلى ما يقارب 152.5 مليار دولار.
وتأتي موجة البيع في الأسواق قبل إعلان النتائج الرسمية للربع الأول من عام 2026، والتي كان مقرر صدورها في 13 أبريل الجاري، حيث توقع المحللون أداءً ضعيفًا، مع تقديرات بنمو عضوي لا يتجاوز 0.65% في قسم الأزياء والجلود، رغم توقعات سابقة من HSBC بانتعاش قطاع الرفاهية خلال 2026، إلا أن بيانات الربع الأول تعكس واقعًا مختلفًا.
خسائر تاريخية غير مسبوقة
يمثل هبوط الأسهم بنسبة 28% أكبر تراجع ربع سنوي في تاريخ LVMH، مقارنة بانخفاض يقارب 20% خلال الموجة الأولى من جائحة كورونا عام 2020. ويؤكد محللون أن حجم التراجع في 2026 فاجأ حتى المتابعين المخضرمين لقطاع الرفاهية.
أما خسارة أرنو التي بلغت 55.4 مليار دولار، فهي الأكبر بين أغنى 500 شخص في العالم خلال الفترة نفسها. ورغم ذلك، عززت عائلة أرنو حصتها في الشركة لتتجاوز 50% من رأس المال، في خطوة تعكس ثقة داخلية طويلة الأمد رغم اضطراب الأسواق.
وتتداول أسهم LVMH حاليًا عند خصم يقارب 20% مقارنة بمنافسيها في القطاع، وهو فارق نادر بالنسبة لأكبر مجموعة رفاهية في العالم، ما فتح الباب أمام آراء متباينة بين من يراه فرصة استثمارية، ومن يعتبره بداية تراجع أعمق.
LVMH – تراجع أسهم المجموعة بتأثير من حرب ايران واسرائيل
أسباب الانهيار
يرجع هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
•حالة عدم اليقين المرتبطة بالرسوم الجمركية في الولايات المتحدة، وما تسببه من ارتفاع في التكاليف وتراجع في الطلب.
•التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي أوقفت أحد أسرع الأسواق نموًا للمجموعة، والتي كانت تمثل نحو 6% من الإيرادات.
•استمرار تراجع قطاع النبيذ والمشروبات الروحية للسنة الثالثة على التوالي، خاصة أعمال كونياك “Hennessy”.
•عدم تحقق النمو المتوقع في السوقين الأمريكي والصيني.
•تزايد الضغوط على المستهلكين عالميًا نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، ما أدى إلى تراجع الإنفاق على السلع الفاخرة.
قطاع تحت ضغط عالمي
يُعد قطاع النبيذ والمشروبات الروحية، الذي يضم علامات مثل Hennessy وMoët & Chandon، من أكثر القطاعات تضررًا، مع استمرار الأداء السلبي لثلاث سنوات متتالية.
كما تعاني الأسواق الأمريكية والصينية من تباطؤ واضح في الطلب، رغم التوقعات السابقة بتحسن الأداء.
وفي المقابل، تتحرك علامات مثل Louis Vuitton نحو إعادة هيكلة سلاسل الإنتاج، بما في ذلك زيادة التصنيع داخل الولايات المتحدة لتقليل تأثير الرسوم الجمركية، حيث يتم حاليًا إنتاج نحو ثلث المنتجات الجلدية الموجهة للسوق الأمريكي محليًا.
ضغط يمتد إلى القطاع بالكامل
لم يقتصر التراجع على LVMH وحدها التي عانت من الخسارة رغم تحقيق نمو لا يزيد عن ١٪، إذ أكدت تقارير سلع الرفاهية في منتصف ابريل تأثر شركات أخرى حققت خسائر مماثلة، منها:
• Richemont المالكة لعلامة Cartier بتراجع يقارب 20%
• شركة هيرميس (Hermès): كشفت تقارير أن الشركة واجهت تراجعًا في الطلب خلال مارس 2026، خاصة في الشرق الأوسط، نتيجة إغلاق بعض المتاجر بسبب الظروف الأمنية، مما أدى إلى انخفاض الإيرادات اليومية بنسبة 20-30% في تلك المناطق. رغم استمرار الطلب القوي على حقائب Birkin.
تشهد شركات سلع الرفاهية عالميًا ضغوطًا ملحوظة في الربع الأول من عام 2026، حيث أظهرت تقارير منتصف أبريل/نيسان تباطؤًا في النمو وتراجعًا في أسهم بعض العمالقة نتيجة لتأثيرات جيوسياسية ونقص الطلب في أسواق رئيسية.
مجموعة كيرينغ (Kering): تواجه أسهم الشركة اتجاهًا هبوطيًا واضحًا (سعر السهم حول 251.60)، حيث تظهر المؤشرات الفنية سيطرة ضغط البيع، بينما تسعى الشركة لخطط إعادة هيكلة طموحة لمضاعفة هوامش ربحها التشغيلي بحلول 2028.
تأثيرات الشرق الأوسط: أثرت حالة عدم الاستقرار في المنطقة سلبًا على مبيعات السلع الفاخرة، حيث انكمش قسم الأزياء لدى بعض المجموعات وتأثر إنفاق المستهلكين.
مبيعات العلامات التجارية الفاخرة خلال الربع الأول من ٢٠٢٦
التوقعات
وتُشير التقديرات إلى استمرار “النمو المتواضع” لشركات الرفاهية لفترة ، حيث تعيد الشركات ترتيب استراتيجياتها للتأقلم مع انخفاض الطلب والتوترات الجيوسياسية.
ويشير ذلك إلى أن الأزمة ليست فردية، بل تعكس ضغوطًا هيكلية تضرب قطاع الرفاهية عالميًا، بفعل التوترات السياسية والرسوم الجمركية وتراجع الاستهلاك.
إعادة تشكيل سوق الرفاهية
في ظل هذه التحديات، يشهد القطاع تحركات اندماج واستحواذ كبرى، من بينها مفاوضات مجموعة Estée Lauder مع Puig، واستحواذ L’Oréal على قسم التجميل في Kering، في مؤشر على إعادة تشكيل السوق استعدادًا لمرحلة نمو أبطأ.
حيث أكدت تقارير منتصف أبريل تراجع اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة. ورغم التوقعات السابقة بنمو قطاع الرفاهية بنسبة تتراوح بين 5% و6% خلال 2026، فإن التراجع الحاد في الربع الأول قد يدفع إلى مراجعة هذه التقديرات.
ومع امتلاك عائلة أرنو لأكثر من 50% من الشركة، تبدو الثقة الداخلية مرتفعة، لكن الضغوط على قطاعات رئيسية مثل Hennessy، إلى جانب تباطؤ الطلب العالمي، تضع مستقبل المجموعة أمام اختبار صعب.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو LVMH اليوم ليس فقط شركة رفاهية، بل مؤشرًا حساسًا على حالة الاقتصاد العالمي وثقة المستهلكين.
تأثر قطاع المجوهرات بالأزمة:
تأثر قطاع المجوهرات الراقية (High Jewelry) بشكل مباشر وحاد بهذا التراجع، كونه يُعتبر “الملاذ الآمن” داخل قطاع الرفاهية، لكنه يتأثر بشدة بحالة اليقين الاقتصادي والاستقرار السياسي.
وقد انعكس هذا التراجع على تجارة المجوهرات في الشركات الكبرى في هدة أبعاد منها:
1. انكماش “الاستهلاك العاطفي” وقطاع الهدايا
تعتمد المجوهرات في الربع الأول (مارس وأبريل) على مناسبات اجتماعية وهدايا الربيع. مع إغلاق المتاجر في مراكز تسوق رئيسية (مثل دبي مول أو الأفنيوز) وتراجع حركة السياحة الوافدة، سجلت مبيعات الساعات والمجوهرات انخفاضاً ملحوظاً، لأن هذه القطع تتطلب عادةً تجربة تسوق شخصية داخل المتجر، وهو ما تعطل بسبب الظروف الأمنية.
2. الأداء المتباين بين العلامات التجارية.
LVMH (تيفاني أند كو وبلغاري): شهد قسم المجوهرات والساعات في المجموعة ضغوطاً، حيث تراجعت المبيعات بنسبة تقدر بـ 2% إلى 4%.
بينما تحاول دار تيفاني التوسع في الأسواق الناشئة، لكنها واجهت صعوبة في جذب المتسوقين الجدد وسط هذه التقلبات.
ريشمونت (Richemont) – كارتييه وفان كليف: بالرغم من أن كارتييه تُعد الأكثر صموداً، إلا أن التقرير أشار إلى أن نمو “المجوهرات اليومية” (مثل مجموعات LOVE) كان أبطأ من المعتاد، مع توجه الأثرياء للاحتفاظ بالسيولة بدلاً من الشراء الفوري.
3. تحديات تكاليف المواد الخام
بجانب تراجع المبيعات، واجهت الشركات تحديات في “هوامش الربح” بسبب تذبذب الأسعار الحاد والذي تمثل في:
ارتفاع الذهب والألماس: مع لجوء المستثمرين للذهب كتحوط ضد الصراعات، ارتفعت تكاليف التصنيع على الشركات، مما وضعها أمام خيارين صعبين: إما رفع الأسعار (مخاطرة بخسارة الزبائن) أو تحمل الخسارة في الهوامش.
4. تحول استراتيجي نحو “المجوهرات الاستثمارية”
رغم التراجع العام، لاحظ المحللون في أبريل 2026 ظاهرة مثيرة للاهتمام:
هناك زيادة في الطلب على القطع النادرة جداً والأحجار الكريمة الكبيرة كنوع من “الاستثمار البديل”. الأثرياء (Ultra-HNWI) استمروا في شراء المجوهرات التي تحتفظ بقيمتها، بينما تراجع “الجمهور الطامح للرفاهية” (Aspiring Class) عن الشراء تماماً.
المجوهرات الفاخرة تأثرت بتراجع مبيعات العلامات التجارية الفاخرة
ما هي مجموعة LVMH؟
ُتعد مجموعة LVMH أكبر تكتل عالمي في صناعة السلع الفاخرة، حيث تأسست عام 1987 نتيجة اندماج Louis Vuitton، إحدى أشهر دور الأزياء في العالم، مع Moët Hennessy المتخصصة في المشروبات الروحية الفاخرة. ومنذ تولي رجل الأعمال برنارد أرنو قيادتها في عام 1989، تحولت الشركة إلى إمبراطورية متكاملة تقود سوق الرفاهية عالميًا، معتمدة على رؤية استراتيجية تقوم على التوسع المدروس والاستحواذ على العلامات ذات القيمة التاريخية.
على مدار أكثر من ثلاثة عقود، نجحت LVMH في بناء نموذج فريد داخل القطاع، يعتمد على ضم العلامات الفاخرة مع الحفاظ على استقلالها الإبداعي، ما منحها قدرة استثنائية على الجمع بين القوة الاقتصادية والتنوع الثقافي. وتضم المجموعة اليوم أكثر من 75 دارًا (Maison) تعمل في قطاعات متعددة، تشمل الأزياء والمنتجات الجلدية، والمجوهرات والساعات، والعطور ومستحضرات التجميل، والمشروبات الفاخرة، إلى جانب أنشطة التجزئة والضيافة، مع انتشار واسع في أكثر من 80 دولة حول العالم.
هذا الانتشار لم يكن مجرد توسع جغرافي، بل جاء مدعومًا بفلسفة تقوم على الحرفية العالية والندرة والابتكار، إلى جانب الالتزام بمعايير الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، وهو ما عزز من مكانة العلامات التابعة للمجموعة كرموز للفخامة والقيمة طويلة الأجل. كما لعبت LVMH دورًا بارزًا في دعم الفنون والثقافة، عبر مبادرات مثل Fondation Louis Vuitton، ما أضاف بعدًا ثقافيًا لهويتها يتجاوز النشاط التجاري.
لكن رغم هذا التاريخ الطويل من النجاح، تواجه المجموعة اليوم تحديات غير مسبوقة، في ظل تباطؤ الطلب العالمي على السلع الفاخرة، وارتفاع الأسعار، وتغير سلوك المستهلكين، خاصة في الأسواق الرئيسية مثل الصين والولايات المتحدة. هذه العوامل مجتمعة تضع نموذج LVMH أمام اختبار حقيقي، حيث لم تعد الفخامة التقليدية وحدها كافية لضمان النمو المستمر.
وفي هذا السياق، لم يعد تراجع أداء LVMH مجرد تقلب عابر في الأسواق، بل يعكس تحولًا أوسع في صناعة الرفاهية العالمية، حيث أصبحت الشركات مطالبة بإعادة التفكير في استراتيجياتها لمواكبة واقع اقتصادي أكثر تعقيدًا. ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع هذه الإمبراطورية الحفاظ على موقعها القيادي، أم أن السوق يعيد رسم خريطة الفخامة العالمية من جديد؟