بث تجريبي

دبي تستقبل ٨٠٪ من الذهب الغاني:

الحرب على إيران تضع اقتصاد غانا في مأزق: هل تتغير خريطة تجارة الذهب الأفريقية بعد تأثر دبي؟

إعداد: كريمة خليل

في تقرير نشره استشاري تطوير مشاريع التعدين عرض سيد سلمان شافي الرئيس التنفيذي لشركة “Gold Miner Club” سيناريوهات الأزمة التي تواجهها تجارة الذهب الأفريقية عبر مدينة دبي في ظل أزمة الحرب على إيران التي أثرت بدورها على عمليات النقل سواء الجوي أو البحري خاصة فيما يتعلق بالذهب الذي تأثر بشدة بالوضع في منطقة الخليج، حيث تعد دبي أحد أهم مراكز حركة الذهب ما بين أفريقيا ومنطقة شرق آسيا. وخلال السطور التالية نعرض التقرير الذي نشره على صفحته المختصة بتحيلي عمليات تعدين الذهب كاملا.

التقرير:

تشهد تجارة الذهب في غرب أفريقيا تطورات متسارعة بعد أن بدأت غانا، أكبر منتج للذهب في القارة، الاستعداد لتحويل مسارات صادراتها بعيداً عن دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل اضطرابات حركة الطيران في الشرق الأوسط نتيجة التصعيد العسكري الإقليمي. ويأتي هذا التطور في لحظة حساسة لقطاع الذهب الغاني، الذي كان قد بدأ للتو مرحلة جديدة من التنظيم ومحاربة التهريب بعد سنوات طويلة من الفوضى في تجارة الذهب الحرفي.

التطورات الأخيرة لا تتعلق فقط بتأخير الشحنات، بل قد تؤدي إلى إعادة تشكيل طرق تجارة الذهب بين أفريقيا والأسواق العالمية، وهو ما يضع مليارات الدولارات من العائدات المحتملة أمام تحديات غير مسبوقة.

 

اضطراب دبي… شريان رئيسي لتجارة الذهب يتوقف مؤقتا

تعطلت حركة تدفق الذهب عبر دبي لمدة تقارب أسبوعاً، بعدما أدى الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران إلى توسع التوترات في المنطقة وإغلاق أجزاء واسعة من المجال الجوي في الشرق الأوسط. هذا الوضع تسبب في توقف أو تقليص حركة الطيران في أحد أكثر مراكز الطيران ازدحاماً في العالم.

بالنسبة لغانا، يشكل ذلك ضربة مباشرة، إذ إن دبي تستقبل عادة نحو ٨٠٪ من إنتاج الذهب القادم من قطاع التعدين الحرفي والصغير في البلاد، حيث تتم عمليات التكرير وإعادة التصدير إلى الأسواق العالمية.

ومع انخفاض حركة الطيران في مطار دبي إلى نحو ٢٥% فقط من مستوياتها المعتادة، يتم حالياً إعطاء الأولوية لنقل الركاب والبضائع الأساسية مثل الأدوية والمواد الطبية، بينما تبقى شحنات الذهب، رغم قيمتها العالية، في مرتبة أقل من حيث الأولوية بسبب طبيعتها غير القابلة للتلف.

وفي هذا السياق، قالت المحللة في شركة StoneX، رونا أوكونيل، إن الرحلات الأولى التي ستُستأنف بعد استقرار الوضع ستُخصص على الأرجح لنقل السلع سريعة التلف قبل شحنات الذهب مرتفعة القيمة.

 

١٥ مليار دولار على المحك

تأتي هذه الأزمة في وقت يشهد فيه قطاع التعدين الحرفي في غانا نمواً كبيراً. فقد ارتفع الإنتاج الرسمي من الذهب في هذا القطاع بنسبة ٦٣% خلال العام الماضي ليصل إلى نحو ٩٦ طناً مترياً، بقيمة تقدر بحوالي 15.8 مليار دولار وفق الأسعار الحالية.

ويمثل هذا الإنتاج أكثر من ٥٢ % من إجمالي إنتاج الذهب في غانا، ما يجعل أي اضطراب في حركة التصدير خطراً مباشراً على الاقتصاد الوطني.

أحد العاملين في قطاع التعدين الحرفي صرّح لوكالة رويترز، طالباً عدم الكشف عن هويته، قائلاً إن فرض منطقة حظر طيران في المنطقة سيؤثر بشدة على التجارة وعلى تدفق النقد الأجنبي إلى البلاد، وهو ما قد ينعكس بدوره على استقرار العملة المحلية.

 

البحث عن طرق بديلة للتصدير

في مواجهة هذه التحديات، بدأ مجلس الذهب الغاني الحكومي GoldBod بالفعل في تفعيل خطط طوارئ لإيجاد مسارات تصدير بديلة خارج الإمارات.

وأكد مسؤول رفيع في المجلس أن المؤسسة حدّدت بالفعل عدة وجهات محتملة لتصدير الذهب في حال استمرار تعطّل حركة الشحن عبر دبي، رغم أن الشحنات لم تتوقف رسمياً حتى الآن.

وأشار المسؤول إلى أن السوق العالمية للذهب لا تعاني نقصاً في المشترين، موضحاً أن هناك جهات كثيرة أبدت اهتماماً بشراء الذهب الغاني، وبعضها مستعد لدفع أسعار أعلى من المعتاد.

 

ومن بين الوجهات البديلة التي يجري بحثها حالياً:

  • هونغ كونغ
  • شنغهاي
  • مراكز تكرير الذهب في الصين
  • مراكز التكرير في الهند

غير أن هذه الخيارات قد تفرض تكاليف إضافية تتعلق بالنقل والتكرير، وهو ما قد يؤثر على هوامش الأرباح في المدى القصير.

إقرأ أيضا: Ghana Gold Bod: إجراءات جديدة لتنظيم شراء صناع المجوهرات للذهب والفضة بعد التكرير

غانا تستهدف رفع إنتاجها من الذهب خلال العام الجاري

مستثمر مصري يوقع اتفاقية لتكرير الذهب محليا مع مجلس الذهب الغاني

Gold Miner Club

اعتماد أفريقيا على دبي يظهر بوضوح

تكشف هذه الأزمة حجم الاعتماد الكبير لدول غرب أفريقيا على دبي كمركز عالمي لتجارة وتكرير الذهب.

فعلى مدى سنوات طويلة، كانت الإمارات الوجهة الرئيسية للذهب القادم من أفريقيا، سواء عبر القنوات الرسمية أو عبر شبكات التهريب. وقد أدت هذه الظاهرة إلى ضغوط دولية دفعت الحكومتين الغانية والإماراتية في السنوات الأخيرة إلى تشديد الرقابة على تجارة الذهب.

وتأتي الاضطرابات الحالية في وقت كانت فيه غانا تحقق تقدماً ملحوظاً في تنظيم القطاع بعد إنشاء مجلس الذهب GoldBod العام الماضي، الذي تولى مسؤولية شراء الذهب الحرفي وتصديره بشكل مركزي لتعزيز الشفافية والحد من التهريب.

وتخطط غانا حالياً لتوجيه نحو ١٢٧ طناً مترياً من الذهب الحرفي سنوياً عبر قنوات التصدير الرسمية.

لكن الأزمة الراهنة أظهرت أن تنظيم القطاع محلياً لا يكفي دائماً عندما تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات مفاجئة.

وفي تعليق على الوضع، قالت روث كرويل، الرئيس التنفيذي لجمعية سوق السبائك في لندن LBMA، إن الاضطرابات الحالية قد تشكل فرصة لإعادة تقييم سلاسل الإمداد العالمية والحد من تدفقات الذهب غير المشروعة التي ساهمت في زعزعة الاستقرار في بعض مناطق أفريقيا.

 

إصلاحات داخلية لتعزيز صمود قطاع الذهب

لم تقف الحكومة الغانية مكتوفة الأيدي في مواجهة التحديات، بل بدأت بالفعل تنفيذ سلسلة من الإصلاحات لتعزيز قدرة قطاع الذهب على مواجهة الصدمات الخارجية.

وفي يناير الماضي، عقدت شركة Rand Refinery، أكبر مصفاة ذهب في أفريقيا، شراكة مع مصفاة غانية لدعم عمليات التكرير المحلية للذهب الحرفي بشكل مسؤول.

وتشمل هذه الشراكة العمل مع Gold Coast Refinery، وهي أول مصفاة حديثة للذهب في غرب أفريقيا وثاني أكبر مصفاة في القارة.

وتبلغ قدرة المصفاة الإنتاجية نحو ٥٠٠ كيلوغرام يومياً، أي ما يعادل ١٨٠ طناً سنوياً عند التشغيل بنظام وردية واحدة.

وبفضل التعاون التقني مع Rand Refinery – وهي المصفاة الأفريقية الوحيدة المعتمدة من جمعية سوق السبائك في لندن – أصبح بإمكان غانا تكرير الذهب إلى درجة نقاء ٩٩.٩٩٩ %، ما قد يتيح لها لأول مرة منذ الاستقلال تصدير الذهب المكرر بالكامل بدلاً من الذهب الخام.

كما تضمن الاتفاق حصول الدولة على حصة مجانية بنسبة 15% في مصفاة Gold Coast Refinery، يتم الاحتفاظ بها عبر مجلس الذهب الغاني.

 

تعزيز الرقابة المحلية ومكافحة تهريب الذهب من غانا

بالتوازي مع تطوير البنية الصناعية، اتخذت الحكومة خطوات لتعزيز الرقابة على السوق المحلية.

ففي فبراير الماضي عقد الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب الغاني سامي جيامفي اجتماعات مع المشترين المرخصين للذهب بهدف الحد من التخزين غير المشروع وعمليات التهريب

وتشمل الخطة إنشاء مراكز شراء ذهب على مستوى المناطق التعدينية، بحيث تصبح عمليات الشراء أكثر تنظيماً ويمكن تسجيلها ومراقبتها بدقة.

وأوضح جيامفي أن التخزين المفرط يمثل أحد أكبر التحديات في السوق حالياً، مشيراً إلى انخفاض ملحوظ في كميات الذهب المتاحة للتصدير.

كما كشفت التقييمات الأخيرة أن جزءاً كبيراً من عمليات التهريب يرتبط بالمشترين في السوق أكثر من ارتباطه بعمال التعدين أنفسهم.

 

التكنولوجيا في خدمة الشفافية في غانا

ضمن خطة أوسع لإصلاح القطاع، أعلن الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما عن مشروع لإدخال تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط دقيقة للموارد المعدنية في البلاد.

وستستخدم هذه التكنولوجيا بيانات زلزالية مأخوذة من الأقمار الصناعية لتحديد مواقع المعادن بدقة، ما يحد من عمليات الحفر العشوائي التي تميز حالياً الكثير من أنشطة التعدين الصغيرة.

كما تخطط الحكومة لإطلاق نظام تتبع كامل للذهب من المنجم إلى التصدير، وهو ما سيساعد على إثبات مصدر الذهب ويتيح تصديره إلى الأسواق الأوروبية التي تفرض قيوداً صارمة مرتبطة بمعايير جمعية سوق السبائك في لندن.

 

تهريب الذهب الغاني… خسائر بمليارات الدولارات

رغم الجهود الحكومية، لا يزال تهريب الذهب يمثل تحدياً ضخماً لغانا.

فبحسب تقديرات نقلها موقع Mining.com في يوليو ٢٠٢٥، فقدت البلاد نحو ١١ مليار دولار بسبب تهريب الذهب خلال السنوات الأخيرة.

ويمثل هذا الرقم ثروة كان من المفترض أن تذهب لدعم الاقتصاد الوطني لكنها تسربت عبر قنوات غير قانونية مرتبطة غالباً بشبكات تجارة دولية.

لمواجهة هذه الظاهرة، أنشأت غانا في يوليو ٢٠٢٥ أول قوة وطنية متكاملة لمكافحة تهريب الذهب تضم عناصر من الجيش والشرطة تحت قيادة موحدة.

 

كما أعلنت الحكومة عن برنامج حوافز يمنح المخبرين ١٠% من قيمة الذهب المصادَر إذا أدت معلوماتهم إلى ضبط عمليات تهريب.

ومع تجاوز سعر الذهب ٣٠٠٠ دولار للأونصة في أبريل ٢٠٢٥، قد تصل قيمة المكافآت المحتملة إلى مبالغ كبيرة حتى في حالات الضبط الصغيرة.

 

هل التكرير هو القيمة الحقيقية؟

رغم الاستثمارات الكبيرة في قطاع التكرير، يرى بعض المحللين أن التركيز على تكرير الذهب قد لا يكون الطريق الأمثل لتعظيم العائد الاقتصادي.

فمعظم الذهب الذي يغادر أفريقيا يكون بالفعل مكرراً بدرجة عالية نسبياً، مما يجعل الزيادة في القيمة الناتجة عن التكرير الإضافي محدودة.

وتشير التقديرات إلى أن هوامش الربح في عمليات التكرير تتراوح عادة بين٢% و ٤% فقط، بينما تعمل بعض المصافي الكبرى بهوامش صافية قد لا تتجاوز ٠٫٠٥ % إلى٠٫٥%.

في المقابل، تخلق الصناعات اللاحقة قيمة أكبر بكثير. فحوالي نصف الذهب في العالم يُستخدم في صناعة المجوهرات، وهي صناعة تحقق قيمة أعلى بنحو ٣٠٠% مقارنة بالذهب الخام.

كما يستخدم نحو 8% من الذهب في الإلكترونيات والتقنيات الطبية، وهي قطاعات عالية القيمة تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا.

وتشير تجارب دول مثل تايلاند والفلبين إلى أن الاستثمار في التصميم والتدريب وبناء العلامات التجارية قد يحقق عوائد اقتصادية أكبر بكثير من مجرد التكرير.

 

مستقبل تجارة الذهب الغاني

في المدى القريب، يركز مجلس الذهب الغاني على إدارة الأزمة الحالية الناتجة عن اضطراب حركة الطيران في الشرق الأوسط.

وبينما بدأت بعض شركات الطيران بالفعل استئناف رحلات محدودة، تأمل شركات الطيران في العودة إلى التشغيل الكامل خلال أيام.

لكن الأزمة كشفت بوضوح مدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد عليها تجارة الذهب.

ويرى خبراء أن هذه الأحداث قد تدفع العديد من الشركات إلى إعادة تقييم مصادر الذهب ومسارات التجارة، وربما تعزيز الشراكات داخل القارة الأفريقية نفسها.

في النهاية، يعتقد مجلس الذهب الغاني أن قطاع التعدين الحرفي وحده قادر على تحقيق عائدات سنوية تصل إلى 12 مليار دولار إذا تم تنظيمه وإدارته بشكل فعال.

لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد تجاوز الأزمة الحالية؛ بل يحتاج إلى بناء منظومة تصدير أكثر تنوعاً ومرونة قادرة على مواجهة الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية في المستقبل.

وكما قال أحد مسؤولي المجلس:

“السوق العالمية للذهب موجودة دائماً… لكن التحدي الحقيقي هو ضمان أن تعمل هذه السوق لصالح غانا، وليس على حسابها.”

Gold Miner Club
Gold Miner Club

مقالات مختارة

الصين الأولى في الإنتاج وسويسرا الأولى في التكرير.. وحصة مصر ١٫٩ ٪ من السوق العالمي.
سوق الماس خلال موسم أعياد 2025
مبيعات المجوهرات الأمريكية ترتفع بنسبة 1.6٪ خلال موسم الأعياد
كيف تحمي هامش الربح في ظل تقلبات أسعار الذهب؟
2025 .. عام الرخاء للمعادن الثمينة
ارتفاع احتياطي الذهب في المركزي المصري إلى 4.153 مليون أونصة
تصدير الذهب الخام والقيمة المضافة.. الضائعة.
بنك HSBC يرفع توقعاته لأسعار الفضة بدعم من قوة الذهب وتصاعد المخاطر الجيوسياسية
شركات المجوهرات تلجأ لتقنية Vermeil للتغلب على ارتفاع أسعار الذهب
“Claire’s ” العالمية تعلن إفلاسها الثاني في الولايات المتحدة