في تصعيد جديد يعكس حجم الأزمة التي تواجهها الدول الإفريقية في السيطرة على ثرواتها المعدنية، أعلنت حكومة مالاوي تشكيل قوة مشتركة لمكافحة التعدين غير القانوني وتهريب المعادن، في خطوة اعتبرتها الحكومة ضرورة لحماية الأمن القومي والاقتصاد الوطني، بعد تزايد عمليات استخراج وتهريب المعادن خارج الأطر الرسمية.
وجاء الإعلان في بيان رسمي وقّعه وزير الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات في مالاوي، شادريك نامالومبا مبا (Shadric Namalomba ) أكد فيه أن التعدين غير القانوني وتهريب المعادن الخام عبر الحدود يمثلان تهديدًا خطيرًا للدولة، ليس فقط بسبب خسارة الإيرادات، ولكن أيضًا بسبب الأضرار البيئية وانتشار الجريمة المنظمة المرتبطة بتهريب الموارد الطبيعية.
خطة مالاوي لتنظيم قطاع التعدين
ويأتي هذا التحرك ضمن سياسة أوسع أعلنها رئيس مالاوي بيتر موثاريكا (Peter Mutharika)، الذي كان قد أعلن في خطاب حالة الأمة أمام البرلمان حزمة إجراءات لإعادة تنظيم قطاع التعدين، تضمنت تعليق إصدار تراخيص التعدين مؤقتًا، ومراجعة جميع الاتفاقيات التعدينية، بالإضافة إلى حظر تصدير المعادن الخام، في خطوة تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع وزيادة عائداته الاقتصادية للدولة. وأوضح موثاريكا أن قطاع التعدين، رغم أهميته، لم يحقق العائد المالي المتوقع للاقتصاد الوطني، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد المعدنية في البلاد
وأوضح شادريك نامالومبا أن الحكومة كانت قد اتخذت بالفعل إجراءات سابقة، من بينها تعليق عدد من تراخيص التعدين، بالإضافة إلى قرار حظر تصدير المعادن الخام الذي دخل حيز التنفيذ في 21 أكتوبر 2025، وهو القرار الذي اعتبرته الحكومة خطوة استراتيجية لوقف نزيف تصدير الثروات الطبيعية في صورتها الخام دون تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
قوة مشتركة لمكافحة تهريب المعادن والتعدين غير القانوني
وبحسب البيان الحكومي، فقد تم تشكيل قوة مشتركة تحت اسم “القوة المشتركة لمكافحة التعدين غير القانوني وتهريب المعادن”، وتضم هذه القوة عددًا من الجهات السيادية والتنفيذية، من بينها جيش مالاوي، الشرطة، جهاز الاستخبارات الوطني، إدارة المناجم، وزارة الموارد الطبيعية والتغير المناخي، وزارة العدل، ومصلحة السجون، بالإضافة إلى مكتب مدير الادعاء العام. وتم منح هذه القوة صلاحيات استخدام جميع الوسائل القانونية اللازمة لمكافحة التعدين غير القانوني وعمليات التهريب في جميع أنحاء البلاد.
الحكومة أكدت في بيانها أن هذه الإجراءات لا تستهدف فقط فرض القانون، بل تهدف أيضًا إلى حماية ثروات مالاوي المعدنية وضمان استغلالها بطريقة قانونية ومستدامة وشفافة تعود بالنفع على المواطنين، بدلًا من أن تتحول هذه الثروات إلى مصدر دخل لشبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي.
ويعكس هذا التحرك تحولًا مهمًا في سياسات إدارة الموارد الطبيعية في إفريقيا، حيث بدأت الحكومات تنظر إلى التعدين غير القانوني باعتباره قضية أمن قومي، وليس مجرد نشاط اقتصادي غير رسمي. فعمليات تهريب الذهب والمعادن تعني خروج جزء كبير من الإنتاج الحقيقي للدول دون تسجيله رسميًا، وهو ما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الضرائب وعائدات التصدير، كما يضعف قدرة الدولة على تنظيم قطاع التعدين والتخطيط الاقتصادي.
كما أن التعدين غير القانوني غالبًا ما يتم بطرق بدائية تستخدم مواد شديدة الخطورة مثل الزئبق والسيانيد، ما يؤدي إلى تلوث المياه والتربة، ويهدد صحة السكان في مناطق التعدين، خاصة في المناطق الريفية. ولهذا السبب، بدأت عدة دول إفريقية في السنوات الأخيرة في استخدام قوات مشتركة تضم الجيش والشرطة لمواجهة هذه الظاهرة، بعد أن تحولت بعض مناطق التعدين غير القانوني إلى بؤر لنشاط التهريب والجريمة المنظمة.
احتياطي الذهب في مالاوي ٠٫٤٠ طنا
قرار مالاوي بحظر تصدير المعادن الخام وتشكيل قوة مشتركة لمكافحة التعدين غير القانوني يعكس اتجاهًا اقتصاديًا جديدًا في إفريقيا يقوم على تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية، حيث تسعى الدول المنتجة للذهب إلى إنشاء مصافي محلية ومراكز لمعالجة المعادن بدلًا من تصدير الخام، بما يسمح لها بالحصول على عوائد أكبر وخلق صناعات محلية وفرص عمل جديدة. وذلك على الرغم من أن يُعتبر إنتاج الذهب في مالاوي يعد نشاطا محدودا مقارنة بالدول الأفريقية المجاورة، حيث لا تصنف ضمن الدول الرئيسية المنتجة للذهب. يعتمد نشاط استخراج الذهب في البلاد بشكل أساسي على التعدين الحرفي والتقليدي (Artisanal and Small-scale Mining) الذي يتم في مناطق متفرقة، مع غياب شبه كامل لشركات التعدين الكبرى العاملة في هذا المجال، ويبلغ احتياطي الذهب الرسمي في مالاوي حوالي ٠٫٤٠ طن في عام 2025. أما الإنتاج الفعلي، فهو متذبذب وغالباً ما يكون غير مسجل رسمياً بدقة بسبب طبيعته الحرفية، وتتركز يتركز التعدين التقليدي في عدة مناطق، من أبرزها محمية نكوتاكوتا للحياة البرية (Nkhotakota Wildlife Reserve) وأجزاء من منطقة ليلونغوي. وذلك في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة مؤخراً إلى تنظيم قطاع التعدين الحرفي لزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وجذب استثمارات دولية لتطوير مناجم الذهب والمعادن الأخرى في ظل الارتفاع العالمي في أسعار الذهب وزيادة أهميته كملاذ آمن في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية، مما جعل السيطرة على إنتاج الذهب وتجارته قضية استراتيجية للعديد من الدول الإفريقية، وهو ما يفسر تشديد الإجراءات ضد التعدين غير القانوني وتهريب المعادن في عدد من دول القارة خلال الفترة الأخيرة. وذلك في إطار رغبة الدولة في جذب وتشجيع المزيد من الاستثمارات في مجال تعدين الذهب والمعادن في مالالوي التي تعد أرضا واعدة لهذا النشاط، وذلك عبر تقديم حزم تسهيلات للمستثمرين، تبدأ بتنظم العمل في القطاع الحرفي وإحكام السيطرة على عمليات التهريب. وتشجيع الحرفيين المحليين على التنقيب وشراء الخام منها لتصديره. حيث قام بنك الاحتياطي في ملاوي بشراء الذهب من المعدنين المحليين في عام 2020 لدعم الاقتصاد. كما ارتفعت صادرات الذهب من 3.3 مليون دولار أمريكي في عام 2019 إلى أكثر من 36 مليون دولار أمريكي في عام 2022، وفقاً لبيانات بنك الاحتياطي في ملاوي.

ويرى مراقبون أن ما يحدث في مالاوي ليس إجراءً منفردًا، بل جزء من تحول أوسع في سياسات التعدين في إفريقيا، حيث تحاول الحكومات استعادة السيطرة على ثرواتها المعدنية ومنع تهريبها، وفي الوقت نفسه بناء صناعات محلية مرتبطة بالذهب والمعادن، مثل التكرير والتصنيع وصناعة المجوهرات، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
وبينما تبدو هذه الإجراءات في ظاهرها أمنية وقانونية، فإن جوهرها اقتصادي بالدرجة الأولى، إذ تسعى الدول الأفريقية إلى إعادة رسم خريطة الذهب عالميًا، بحيث لا تظل مجرد مصدر للمواد الخام، بل تتحول إلى لاعب أساسي في سلسلة القيمة العالمية لصناعة الذهب.
إقرأ أيضا:
قضية الذهب المغشوش في زيمباوي تهز قطاع التعدين، بلغت قيمتها ٧٧ مليون دولار
وادي دارا بالصحراء الشرقية المصرية.. يفيض بالذهب والنحاس
“اللجنة العليا للذهب” تعقد أول اجتماعاتها برئاسة رئيس الوزراء





