بث تجريبي

حين يكون اللون جزء من الهوية:

Bulgari مجوهرات تحمل روح روما وعراقتها

إعداد: كنوز.نيوز

دار بولغاري Bulgari، ليست مجرد دار مجوهرات عالمية، بل أيقونة ثقافية وجمالية تشكّلت عند تقاطع التاريخ الروماني، والعلوم الجيولوجية للأحجار الكريمة، والتحولات الاجتماعية والفنية في أوروبا خلال القرن العشرين. فمنذ تأسيسها في روما أواخر القرن التاسع عشر، نجحت بولغاري في تحويل الإرث الحضاري الإيطالي إلى لغة تصميمية بصرية، تتجسد في الذهب، والأحجار الملونة، والأشكال الجريئة التي كسرت القواعد الكلاسيكية السائدة.

قال جياني بولغاري، الرئيس السابق للدار ذات مرة:
«روما تختصر تاريخ الإنسان الغربي كله — من الكلاسيكي إلى العصور الوسطى، مروراً بالنهضة، والباروك، ثم القرنين التاسع عشر والعشرين. مجوهراتنا تأثرت بثقل هذا الإرث الهائل».

وتعد مجوهرات بولغاري علامة ذات شخصية متفرّدة تنبض بالفرح والحيوية. تتميز إبداعاتها باستخدام الأحجار الملونة المصقولة بأسلوب الكابوشون، والتراكيب الهندسية الجريئة، والتوليفات اللونية غير التقليدية. إنها مجوهرات جريئة، مصنوعة بإتقان رفيع، ولا تخضع لقواعد الذوق السائد.


بإختصار يمكن القول إن بولغاري هي إيطاليا متجسدة في مجوهرات. فتاريخ البلاد العريق، ومنحوتاتها الضخمة، وعمارتها المهيبة، وفسيفسائها الغنية بالألوان، جميعها شكّلت مصدر إلهام دائم لتصاميم الدار منذ تأسيسها عام 1884 على يد الصائغ اليوناني سوتيريوس بولغاريس.
وفي عام 1905، انتقلت بولغاري إلى مقرها الشهير في شارع فيا دي كوندوتي رقم 10 بروما، حيث لا تزال تحتفظ بمقرها الرئيسي حتى اليوم، كأحد أبرز عناوين الفخامة الإيطالية.

 

  • جذور الدار… وحكاية الاسم

تأسست دار بولغاري عام 1884 على يد سوتيريوس بولغاريس، صائغ فضة يوناني الأصل، ينتمي إلى عائلة عريقة في الحرف اليدوية. هاجر إلى إيطاليا في زمن كانت فيه روما تعيد تشكيل نفسها كعاصمة حديثة، واختصر اسمه ليصبح بولغاري Bulgari، . لكنه واجه بداية قاسية؛ بعد تعرّض متجره في نابولي للسرقة، وجد نفسه لا يملك سوى 80 سنتًا، وبدأ ببيع مشغولات فضية بسيطة للسياح من كشك صغير أمام الأكاديمية الفرنسية في روما.
وسرعان ما أوقفته السلطات لعدم امتلاكه ترخيصًا، لكنه لم يستسلم، فاستأجر زاوية صغيرة في واجهة متجر لتاجر إسفنج يوناني لعرض بضاعته. وبحلول عام 1900، افتتح أول متجر له في 28 شارع فيا دي كوندوتي، عارضًا الفضة، التحف، المجوهرات، والقطع النادرة والفضولية.

ومع ازدهار الأعمال وتوسعها ، تولى ابناه الإدارة، وفي عام 1905 انتقلت الدار إلى مقرها الشهير في 10 فيا دي كوندوتي، حيث بدأت تفرض اسمها كأحد أهم صناع المجوهرات الراقية، في مشهد يجمع بين الفضة الأثرية والإبداع المعاصر.
وبعدها ، واصل الأحفاد — جياني وباولو ونيكولا بولغاري — ترسيخ شهرة الدار وأسلوبها القوي، لتصبح أيقونة لدى نخبة «لا دولتشي فيتا» وأجيال متعاقبة من «الجميلين والجميلات». واليوم، تنتمي بولغاري إلى مجموعة LVMH، المالكة لعلامات كبرى مثل TAG Heuer وDior وChaumet.

  • ما هو أسلوب بولغاري؟ ومتى وُلد؟

وُلد أسلوب بولغاري بوصفه خروجًا واعيًا عن القواعد الكلاسيكية التي هيمنت طويلًا على عالم المجوهرات الأوروبية، ولا سيما المدرسة الفرنسية المرتبطة بتقاليد البلاط الملكي والأرستقراطية. فبينما استندت دور كثيرة إلى الإرث الملكي والزخرفة الرسمية، اختارت بولغاري طريقًا مختلفًا جذريًا: روما نفسها كانت المرجع، والمصدر، واللغة البصرية.

استلهمت الدار تصميماتها من العمارة الكلاسيكية، والتماثيل الرومانية، والعملات القديمة، وألوان الحجر في شوارع المدينة، وضوء الشمس الإيطالية الدافئ. روما، بكل طبقاتها التاريخية الممتدة من العصور القديمة إلى الحداثة، لم تكن مجرد خلفية جغرافية لنشأة بولغاري، بل تحولت إلى مادة خام إبداعية صاغت هوية الدار. ولهذا حملت مجوهراتها بعدًا ثقافيًا وحضاريًا، يتجاوز فكرة الزينة إلى التعبير عن هوية إنسانية متجذرة في التاريخ.

فبعد الحرب العالمية الثانية، شهدت إيطاليا نهضة شاملة قادها التصميم والصناعة الإبداعية، ولم يتجسد هذا الازدهار بوضوح في أي مجال كما تجسد في مجوهرات بولغاري. صحيح أن الدار كانت تصنع المجوهرات منذ عشرينيات القرن العشرين، إلا أن الأسلوب الذي نعرفه اليوم باسم «أسلوب بولغاري» لم يتبلور إلا في الخمسينيات والستينيات، وهي المرحلة التي تولى فيها الإخوة باولو، جياني، ونيكولا بولغاري إدارة الدار من متجرهم الوحيد قرب السلالم الإسبانية في روما، مع إشراف مباشر على الاستوديو التصميمي.

 

الجاري تحمل روح روما
بالجاري تحمل روح روما

قدّم الإخوة الثلاثة، الذين جسّدوا روح الأناقة الإيطالية الحديثة، لغة جديدة في عالم المجوهرات. لغة تقوم على مزج جريء للأحجار الملوّنة بدل الاكتفاء بالألماس، وعلى استخدام واسع لأحجار الكابوشون التي تبرز عمق اللون لا بريق القطع، إلى جانب أحجام قوية وأشكال ناعمة وبسيطة في آن واحد. كان هذا التوجه ثوريًا في زمن كانت فيه باريس والتصاميم التقليدية تفرض ذائقتها على السوق العالمية.

سرعان ما تحوّل هذا النهج المختلف إلى هوية قائمة بذاتها، عُرفت عالميًا باسم أسلوب بولغاري: أسلوب يحتفي باللون، ويعلي من شأن الكتلة والحضور، ويجعل من المجوهرات تعبيرًا بصريًا عن الفرح والقوة والحياة — تمامًا كما هي إيطاليا نفسها

 

  • اللون قبل القيمة

انطلقت بولغاري من مبدأ شكّل قطيعة حقيقية مع القواعد السائدة في عالم المجوهرات: اللون أولًا، ثم القيمة. لم يكن اختيار الأحجار محكومًا بسعرها في السوق أو بمكانتها التقليدية، بل بتأثيرها البصري وقدرتها على خلق إحساس بصري قوي. وبهذا النهج، كسرت الدار احتكار الألماس والياقوت والزمرد والياقوت الأزرق للمشهد، وفتحت الباب أمام مزج غير مسبوق بين الأحجار الكريمة وشبه الكريمة، غالبًا ضمن إعدادات من الذهب الأصفر، لتوليد تركيبات لونية جريئة وصادمة في آن واحد.

في مجوهرات بولغاري، يمكن أن يتجاور فيروز أزرق فاقع مع جمشت بنفسجي غني، إلى جانب زمرد كولومبي أخضر عميق، دون أن يبدو المشهد متكلفًا أو اعتباطيًا. على العكس، تبدو هذه التوليفات وكأنها امتداد طبيعي لروح روما نفسها: مدينة تتجاور فيها الألوان، والمواد، والعصور، بلا خوف من التناقض.

تشرح لوتشيا سيلفستري، المديرة الإبداعية لبولغاري، التي انضمت إلى الدار منذ سن الثامنة عشرة، كيف شكّلت تلك الفلسفة جوهر هوية بولغاري، قائلة:

«كانت سنوات لا دولتشي فيتا في الخمسينيات من أزهى الفترات في تاريخ بولغاري، ففيها بلغت الدار ذروة شعبيتها. منذ البداية، كانت بولغاري ثورية للغاية في استخدامها لأحجار الكابوشون. الناس انجذبوا إلى الطريقة الجريئة في مزج الألوان، وإلى الجمع غير المتوقع بين الأحجار الكريمة والأحجار الزخرفية الصلبة. ثم تأتي الأحجام… كانت كبيرة وجريئة، أقرب إلى قطع من الفن المعاصر».

وتضيف سيلفستري بعدًا ثقافيًا لهذا التوجه، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب لم يكن مجرد صيحة جمالية، بل لغة فنية كاملة. حتى آندي وارهول، أحد أبرز رموز الفن المعاصر، كان يتوقف عند متجر بولغاري كلما زار روما، معتبرًا إياه «أفضل معرض للفن المعاصر». شهادة تختصر كيف تحولت مجوهرات بولغاري من مجرد قطع فاخرة إلى أعمال فنية نابضة بالألوان والجرأة والحياة

أ

  • يقونات تصميم خالدة.. ساعة سوار Serpenti

تُعد سيربنتي واحدة من أكثر رموز بولغاري شهرةً وتأثيرًا، بل يمكن اعتبارها التعبير الأوضح عن روح الدار. تعود جذور هذا التصميم إلى أربعينيات القرن العشرين، حين استلهم مصممو بولغاري أساور الثعابين الرائجة آنذاك في حقبة الآرت ديكو، وقرروا دمج ساعة داخل هذا الشكل الرمزي. جاءت النتيجة مبتكرة وجريئة: ساعة ملفوفة حول المعصم على سوار توبوغاس الذهبي المرن، لتعلن عن دخول بولغاري القوي إلى عالم صناعة الساعات بأسلوب مختلف تمامًا عمّا كان سائدًا.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف سيربنتي عن إعادة ابتكار نفسها. ورغم تغيّر المواد والأحجار والأحجام عبر العقود، بقيت لفّاتها المرنة قادرة على الانسياب حول المعصم أو الالتفاف حول العنق بحسية واضحة، ما جعلها أيقونة خالدة تجمع بين المجوهرات والساعات، وبين القوة والإغواء.
العملات التي تحكي تاريخ روما : Monete

في ستينيات القرن الماضي، وُلدت أيقونة أخرى لا تقل رمزية: مونيتي (Monete). كان نيكولا بولغاري شغوفًا بجمع العملات القديمة، فقرر تحويل العملات الرومانية الأصلية إلى عناصر مركزية في تصميم المجوهرات. هكذا ظهرت قطع مرصعة بعملات تعود إلى عصور مختلفة من تاريخ روما، غالبًا ما كانت تُقدّم على سلاسل ذهبية سميكة وقوية. لم تكن هذه المجوهرات مجرد زينة، بل جسورًا بصرية تربط الحاضر بالإمبراطورية الرومانية، وتعكس الارتباط العضوي لبولغاري بالمدينة التي وُلدت فيها.

 

  • من السبعينيات إلى الألفية الجديدة : Parentesi وB.zero1

مع سبعينيات القرن العشرين، قدمت بولغاري مجموعة بارينتيسي (Parentesi)، التي اتسمت بخطوطها النظيفة والمنحنية المتكررة، لتمنح المجوهرات الراقية بساطة مدروسة وأناقة معمارية، مع الحفاظ على مرونة الحركة وقوة الحضور.

وفي عام 2000، كشفت الدار عن مجموعة B.zero1 المستوحاة من الكولوسيوم الروماني. بخطوطها الجريئة وبنيتها الحلزونية، سرعان ما تحولت هذه المجموعة إلى أيقونة معاصرة. جاءت التصاميم قوية في الذهب، ثم تطورت لتشمل الرخام والأحجار الصلبة، في حوار بصري مباشر مع العمارة الرومانية القديمة، ولكن بروح حديثة.

 

  • عقد السلالم الإسبانية: المجوهرات كتحية للمدينة

أما أحدث الإبداعات الفريدة لبولغاري، فكان عقد السلالم الإسبانية، الذي صُمم احتفالًا بترميم هذا المعلم الروماني الشهير. قطعة واحدة لا تتكرر، تحمل في طياتها رؤية شعرية للمدينة. وتشرح لوتشيا سيلفستري مصدر الإلهام قائلة:

«عندما كنت صغيرة، كنت أرى الزهور التي تنمو على السلالم وكأنها عقد ملوّن».

بهذه الأيقونات، تؤكد بولغاري أن تصميمها لا يقوم على الموضة العابرة، بل على رموز بصرية تعيش عبر الزمن، وتحوّل التاريخ والمدينة والثقافة إلى مجوهرات نابضة بالحياة.

 

  • لماذا يُعدّ اللون جوهر هوية بولغاري؟

منذ انطلاقها ، تعاملت بولغاري مع اللون بوصفه لغة مستقلة لا مجرد عنصر جمالي. كانت من أوائل دور المجوهرات التي كسرت القاعدة السائدة، فاختارت الأحجار وفق تأثيرها البصري وقوتها اللونية قبل النظر إلى تصنيفها أو قيمتها السوقية. ورغم الارتباط التاريخي لاسم الدار بالياقوت، فإن مجوهرات بولغاري تكشف في جوهرها عن شغف بطيف لوني واسع، يشبه لوحة فنية نابضة بالحياة.

داخل استوديو التصميم في قصر بولغاري المطل على نهر التيبر، تتجسد هذه الفلسفة عمليًا. عشرات الأحجار الملوّنة تُرص على طاولة كبيرة، تُنقل وتُعاد صياغتها وتُقارن ببعضها البعض مرارًا، حتى تتكوّن التوليفة المثالية. اللون هنا ليس قرارًا عابرًا، بل نتيجة حوار بصري طويل بين الحجر والمصمم.

 

وتشرح لوتشيا سيلفستري، المديرة الإبداعية للدار، هذا الارتباط العضوي بين روما واللون قائلة:

«روما مدينة غنية بالألوان، وهذا ما يلهمني يوميًا. من نافذتي أرى الأخضر والأصفر والوردي والأزرق الفاتح. نحن في روما نحب اللعب بالألوان، ويظهر ذلك في أسلوب ملابسنا… واليوم، أرتدي الوردي الفاقع».

هكذا يصبح اللون في بولغاري امتدادًا للمدينة نفسها: ضوء الشمس على الجدران، درجات الحجر، وأبواب المباني القديمة.

 

  • لماذا تُكتب Bulgari بحرف V؟

تعتمد بولغاري حرف V الروماني في شعارها بدلًا من حرف U اللاتيني الحديث، في إشارة واعية إلى جذورها الرومانية العميقة. هذا الاختيار ليس تفصيلًا بصريًا فحسب، بل تأكيد على أن هوية الدار مستمدة من روح روما القديمة، ومن الإرث الكلاسيكي الذي شكّل أساس تصاميمها ولغتها الجمالية.

 

  • من ترتدي بولغاري؟

جاذبية بولغاري القوية، القائمة على الجرأة واللون والحضور الطاغي، جعلتها خيارًا مفضلًا لأشهر نساء العالم، وفي مقدمتهن إليزابيث تايلور، التي ارتبط اسمها بالدار ارتباطًا أسطوريًا خلال علاقتها العاصفة بريتشارد بيرتون.

عن زيارته لمتجر فيا دي كوندوتي عام 1963 لشراء خاتم لتايلور، قال بيرتون عبارته الشهيرة:

«أنا عرّفتها على البيرة… وهي عرّفتني على بولغاري».

التقى الثنائي أثناء تصوير فيلم كليوباترا عام 1962، وكانت بولغاري المكان الذي اشترى فيه بيرتون أولى مجوهرات تايلور، لتتحول لاحقًا إلى مجموعة أسطورية. وقد ذكر بيرتون أن كلمة «بولغاري» كانت الكلمة الإيطالية الوحيدة التي تعرفها تايلور. وفي تصريح شهير لصحيفة نيويورك تايمز عام 2001، قالت:

«كنت أتحمس إلى حد أنني أقفز عليه تقريبًا وأمارس الحب معه داخل بولغاري».

اليوم، تمتلك بولغاري عددًا كبيرًا من مجوهرات تايلور التي اقتنتها في مزاد كريستيز عام 2011، من بينها عقد وأقراط الزمرد الأيقونية.

كما كانت جينا لولوبريجيدا من أبرز جامعـات مجوهرات بولغاري، وقد اشترت الدار العديد من قطعها في مزاد جنيف عام 2013. أما نجمات الشاشة في العصر الذهبي لروما — مثل مونيكا فيتي، أنيتا إيكبرغ، إنغريد بيرغمان، وصوفيا لورين — فقد جسّدن حضور بولغاري في زمن كانت فيه المدينة عاصمة السحر العالمي.

وفي العصر الحديث، واصلت الدار حضورها على السجادة الحمراء، حيث اختارتها نجمات مثل جيسيكا شاستين، نعومي كامبل، نيكول كيدمان، أليشيا فيكاندر، كيت وينسلت، ليدي غاغا، كيرا نايتلي، وكارلا بروني، تأكيدًا على أن بولغاري لا تزال لغة للجمال القوي، والأنوثة الواثقة، واللون الذي لا يخجل

  • عصر «لا دولتشي فيتا»

بلغت بولغاري ذروة تعبيرها التصميمي خلال حقبة «لا دولتشي فيتا» — أو «الحياة الحلوة» — في ستينيات القرن الماضي. آنذاك، كانت الموضة والسينما والسيارات السريعة والمطبخ الإيطالي تتصدر المشهد العالمي: بوتشي وميسوني في عالم الأزياء، ألفا روميو وفيراري على الطرقات، المكرونة والجيلاتي على الموائد، وفيلم فيديريكو فيلليني الشهير عام 1960 الذي منح تلك المرحلة اسمها.

ليس من قبيل الصدفة أن تشهد الستينيات والسبعينيات أعظم وأشهر إبداعات بولغاري، وأكثرها رسوخًا في الذاكرة.

 

  • قطع أسطورية في المزادات

تُعد مجوهرات بولغاري من تلك الحقبة من بين الأكثر قيمة وجاذبية لهواة الاقتناء، كما تؤكد نتائج المزادات العالمية. من أبرز هذه القطع قلادة Revson الشهيرة، المصنوعة من زمرد وجمشت وفيروز بأسلوب الكابوشون، والتي صُممت عام 1965 لسيدة المجتمع لين ريفسون. وبعد نحو ثلاثين عامًا، بيعت القلادة مع الأقراط المطابقة عام 1996 مقابل 134,500 دولار.

وفي مزاد كريستيز الشهير لمجوهرات إليزابيث تايلور في ديسمبر 2011، تحطمت الأرقام القياسية مرارًا. من بين أبرز القطع، بروش قلادة الزمرد الذي ارتدته تايلور عند زواجها من ريتشارد بورتون، وبيع بنحو 6.6 مليون دولار، إضافة إلى قلادتها من الزمرد والألماس لعام 1962 التي حققت حوالي 6.1 مليون دولار.

 

  • رؤية تاجر المجوهرات: لماذا لم تفقد بولغاري بريقها؟

في سوق المجوهرات الفاخرة، حيث تتغير الأذواق سريعًا وتخضع القطع لمنطق الموضة والدورات الاقتصادية، نادرًا ما تحافظ دار على جاذبيتها عبر عقود دون أن تبدو أسيرة زمنها. لكن بولغاري تشكّل استثناءً واضحًا، وهو ما يفسّره ستيفان ريختر، رئيس شركة Richters of Palm Beach، أحد أبرز تجار المجوهرات الراقية والمتخصصين في القطع الكلاسيكية من القرن العشرين.

يوضح ريختر أن انجذابه الشخصي لمجوهرات بولغاري يعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي فترة كانت غير مرحّب بها في السوق المخصصة للقطع الكلاسيكية عند بداياته المهنية:

«عندما بدأت عملي عام 1980، كانت مجوهرات الستينيات والسبعينيات تُعد حديثة أكثر من اللازم. السوق كان منحازًا آنذاك لمجوهرات العصر الإدواردي والآرت ديكو وحتى خمسينيات القرن العشرين».

هذا التأخير في الاعتراف بقيمة بولغاري لم يكن نتيجة ضعف فني، بل على العكس، بسبب تقدّمها الزمني. فالتصاميم التي بدت جريئة وصادمة في زمنها، سبقت ذائقة السوق بعقود.

 

  • جرأة لونية لم تكن مألوفة

يرى ريختر أن جوهر تفرّد بولغاري يكمن في مقاربتها الفريدة للون:

«توليفات بولغاري اللونية وهندستها التصميمية مذهلة بحق. من غيرها كان يجرؤ على الجمع بين الجمشت والزمرد والسيترين في قطعة واحدة؟».

في عالم كان يخضع لقواعد صارمة في تنسيق الأحجار، كسرت بولغاري الأعراف، ولم تتعامل مع الأحجار باعتبارها تصنيفًا تقنيًا (كريمة مقابل شبه كريمة)، بل كعناصر بصرية ذات طاقة وتأثير. هذا الفهم “الغريزي” للألوان — بحسب وصف ريختر — منح مجوهرات الدار توازنًا بصريًا نادرًا، رغم كثافة الأحجار وجرأة الأحجام.

 

  • الكابوشون… توقيع تقني وجمالي

يُشير ريختر إلى عنصر آخر حاسم في تميّز بولغاري، وهو الاستخدام المتقن لأحجار الكابوشون والأحجار المعايرة بدقة:

«امتلكت بولغاري براعة استثنائية في التعامل مع الكابوشون والأحجار المصقولة والمعايرة، وهو مستوى من الإتقان لم يكن متوفرًا لدى معظم الدور الأخرى».

هذا الأسلوب لم يكن مجرد خيار جمالي، بل تعبير عن فلسفة تصميمية ترى المجوهرات كمنحوتات صغيرة، لا كإطارات لعرض الأحجار. وهو ما جعل القطع تبدو معاصرة حتى اليوم، رغم مرور نصف قرن أو أكثر على تصميمها.

 

  • إرث لا يشيخ

رغم تغيّر اتجاهات الموضة، يؤكد ريختر أن مجوهرات بولغاري — خصوصًا تلك العائدة إلى منتصف السبعينيات — لا تزال منسجمة تمامًا مع الذائقة المعاصرة. بل إن الإقبال عليها في تزايد مستمر، خاصة بين الجامعين الحقيقيين الذين يبحثون عن التصاميم الأيقونية الأصلية، وعلى رأسها مجموعتا Monete وSerpenti.

ويختصر ريختر فلسفة بولغاري في جملة واحدة:

«مجوهرات بولغاري لها روح».

روح لا تخضع للزمن، ولا تفقد معناها بتغيّر الموضة، بل تزداد قوة مع مرور السنوات.

بولغاري… أكثر من دار مجوهرات

من خلال رؤية التجار والجامعين، يتضح أن بولغاري لم تبنِ مجدها على البذخ وحده، بل على هوية متكاملة تجمع بين روما والتاريخ والجرأة الفنية. إنها دار لم تساوم يومًا على شخصيتها، فبدت أحيانًا سابقة لعصرها، لكنها في النهاية انتصرت.

وهكذا تظل بولغاري — كما يراها خبراء السوق — الدار الإيطالية الأصيلة التي لا تصنع مجوهرات فحسب، بل تُحوّل روح روما إلى ذهب وأحجار، وتتركها قادرة على الحياة عبر الأجيال.

مقالات مختارة

التحول الجذري: حقائق جديدة في سوق الماس بالصين
فريال زروقي: عندما تنهض.. توقع أن تكون مستهدفا !