في أواخر مارس ٢٠٢٦، شهدت زيمبابوي صدمة كبيرة في قطاع التعدين بسبب ما وصفته وسائل الإعلام المحلية بـ “فضيحة الذهب المغشوش” التي وقعت على نطاق وطني. حيث اتهمت هينريتا روشوايا- Henrietta Rushwaya- ، رئيسة اتحاد مناجم زيمبابوي (ZMF)، مجموعة من رجال الأعمال الصينيين وبعض مشغلي المناجم بالتلاعب بالذهب وخلطه بمواد أخرى مثل التنجستين – بسبب تقارب كثافته مع كثافة الذهب إلا أن وزنه أثقل قليلا وأكثر صلابة من الذهب بعشرة أضعاف تقريبا- لزيادة الوزن وتزييف درجة النقاء باستخدام طريقة تقنية عالية لمنع اكتشاف التزييف بالطرق العادية مثل الحرق أو الكشف بالأشعة واجهزة المسح السطحي، وذلك بسبب إضافة معادن أخرى مثل الروثينيوم والزنك والحديد والزئبق. حيث تقول التقارير أن هذه الإضافات على السبائك يمكن أن تعطى نتيجة على أجهزة الاختبار لذهب بدرة تفاء من ٩٠ : ٩٥٪ في حين تقل نسبة الذهب الحقيقي في السبيكة بنحو ٣٠٪، وهي ممارسات تهدد استقرار السوق المحلي وتضر بالمئات من الآلاف من المنجمين الحرفيين الذين يمثلون ٧٠٪ من منتجي الذهب في زيمبابوي.

الصين تتورط في غش الذهب في زيمبابوي
ووفقًا للتقارير، فقد تم اعتقال أحد مالكي المناجم الصينيين في زيمباوي والذي اعترف بممارساته المضرة، في خطوة تعكس جدية السلطات في التعامل مع هذه الأزمة. وقد حظيت هذه الأحداث بتغطية واسعة من الإعلام المحلي، ما أثار اهتمامًا كبيرًا من الرأي العام وأثار المخاوف بشأن تأثيرها على الاقتصاد الوطني.
وفور الإعلان عن الفضيحة قامت شركة فيديلتي جولد ريفاينريز، باعتبارها الهيئة الحكومية المسئولة عن الرقابة على قطاع التعدين وشراء وبيع وتكرير الذهب في زيمبابوي بالعمل على تحديث معدات الفحص الخاصة بها لمعالجة مثل هذه الحالات فيما بعد. بينما قامت الجهات المسئولة عن الهجرة والجنسية في زيمبابوي بشن حملات موسعة لضبط المقيمين بالدولة بشكل غير قانوني وخاصة من العاملين في مجال التعدين من حاملي الجنسية الصينية.
وتشير تقارير إلى اعتقال رجل الأعمال “يونغ خونغ يوونغ مارك” في زيمبابوي بتهم الاحتيال وغسيل الأموال. في حين أثبتت التحقيقات ارتباط القضية بشبكة احتيال دولية استهدفت مستثمرين في عمليات تعدين ذهب وهمية في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، بقيمة إجمالية تتجاوز ٧٧ مليون دولار.
وأكدت تقارير أخرى رسمية في فبراير ومارس 2026 أن زيمبابوي تفقد سنوياً نحو ١٫٢ مليار دولار بسبب السلع المغشوشة والتجارة غير المشروعة. مما أدي إلى إصدار الحكومة لتحذير من انتشار الدولارات المزيفة في الأسواق، مما دفعها لتكثيف الرقابة ودعوة المؤسسات المالية لاستخدام أجهزة كشف متطورة لحماية العملة الوطنية المدعومة بالذهب (ZiG).
وفي تصريح لها قالت رئيسة الاتحاد، هنرييتا روشوايا، إن هذه العملية الاحتيالية تستهدف عمداً عمال المناجم الصغار لأن ذهبهم يُشترى غالباً باستخدام طريقة الوزن النوعي في مراكز الشراء الإقليمية، حيث تُدفع المبالغ فوراً عند التسليم.
في المقابل، يخضع ذهب عمال المناجم الكبار لتحليل دقيق بالنار في المقر الرئيسي لمصفاة فيديلتي للذهب في هراري، ولا يُدفع ثمنه إلا بعد إجراء تحليل دقيق، وهو بروتوكول يحمي الشحنات الكبيرة من الغش.
ووفقاً لروشوايا، تشمل العناصر الضارة التي تُضاف إلى الذهب الروثينيوم، الذي يتميز بنقطة انصهار عالية جداً، مما يُعقّد عمليات التكرير والتحليل بالنار؛ والزئبق، وهي مادة شديدة السمية تُشكّل مخاطر بيئية وصحية. الزنك، الذي يمكن مزجه مع التنجستن لإخفاء كثافة التنجستن وتجنب اختبارات الكثافة النوعية؛ والحديد، الذي يتداخل مع إجراءات أخذ العينات والتحليل الحراري.
وتوعدت روشوايا المتورطين من حاملي الجنسية الصينية ومن المحللين من زيمبابوي بالفضح العلني لجرائمهم وشددت التحذير والتنبيه على جميع التجار والمعنين بالتدقيق عند إجراء عمليات البيع والشراء ومراجعة نقاء الذهب.
قائلة: “سنفضح المتورطين، بمن فيهم الزيمبابويون السود الذين يُستخدمون للإعلان عن هذه الصفقات والترويج لها.
نحن نلاحقهم. يجب القبض على المسؤولين لأنهم يسرقون من ثروات البلاد. هذا تخريب اقتصادي.”
كما توعدت بقيام الاتحاد بفرض لوائح أكثر صرامة وإنفاذها لسدّ الثغرة التي تهدد نزاهة قطاع الذهب في زيمبابوي.

الذهب.. مصدر الدخل الأول في زيمبابوي
ويعتبر الذهب أحد أهم الموارد الاقتصادية في زيمبابوي، حيث يعتمد عليه جزء كبير من السكان الحرفيين من المحليين لكسب معيشتهم، بالإضافة إلى مساهمته في العوائد الوطنية. وقد أثرت هذه الفضيحة على ثقة المستثمرين في السوق المحلي وأدت إلى انخفاض أسعار الذهب في بعض المناطق، كما سلطت الضوء على ضرورة تشديد الرقابة على العمليات التعدينية وضمان سلامة المعايير المهنية للحفاظ على استدامة القطاع.
ويرى الخبراء أن الأزمة تمثل فرصة لتحسين نظم الرقابة على التعدين الحرفي والقطاعي، وتطوير آليات حماية المنجمين الصغار والمجتمعات المنتجة، إلى جانب تعزيز الشفافية في المعاملات التجارية للذهب والمجوهرات داخل السوق الزيمبابوي.
هذا الحادث يضع ضغوطًا إضافية على السلطات والمستثمرين لضمان ممارسات تعدين عادلة وشفافة، وحماية الموارد الطبيعية من سوء الإدارة، مع دعم النمو الاقتصادي المستدام في قطاع الذهب والمجوهرات الحيوي للبلاد.
ويمثل الذهب الركيزة الأساسية لاقتصاد زيمبابوي، حيث شهد عام 2025 تحقيق إنتاج قياسي بلغ ٤٦٫٧ طناً. ويعد الذهب بالنسبة للدولة ليس مجرد معدن ثمين يحقق عائدا من تصديره، بل كأداة مالية هامة قادرة على دعم استقرار العملة الوطنية لزيمبابوي.

قوانين التعدين في زيمبابوي
ووفقا لقوانين التعدين في زيمبابوي تلزم الدولة شركات التعدين بدفع جزء من عوائدها (الإتاوات) في شكل ذهب مادي لتعزيز احتياطيات البنك المركزي. دولة الإمارات العربية المتحدة هي الوجهة الأولى لصادرات الذهب الزيمبابوي، حيث تستقبل نحو 45 % من إجمالي الشحنات. كما حققت زيمبابوي طفرة في صادرات الذهب في عام 2025، حيث بلغت قيمة الصادرات في الأشهر الخمسة الأولى فقط نحو ٧٤٨ مليون دولار. وتتيح الدولة في زيمبابوي للمواطنين الاستثمار في الذهب من خلال طرح عملات ذهبية كوسيلة للمواطنين لحفظ ثرواتهم والتحوط ضد التضخم. كما توفر صناديق للاستثمار في هذه العملات بحد أدنى يبدأ من ١٥ دولاراً أمريكياً شهرياً أو ما يعادلها بالعملة المحلي.
الدول الأفريقية تولى تعدين الذهب إهتماما كبيرا بعد ارتفاع الأسعار العالمية
جدير بالذكر أن العديد من الدول الأفريقية لجأت مؤخرا للتركيز على تحسين منظومات التعدين والاستخراج في قطاع الذهب وذلك على إثر الارتفاع الملحوظ في أسعار الذهب عالميا، مما يشكل مصدرا قويا لتنمية دخل الدول الأفريقية المنتجة للذهب، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى مراجعة العقود الموقعة مع شركات تعدين أجنبية للتحقق من التزام هذه الشركات ببنود وشروط العقود، حيث تسعى الحكومات الوطنية في العديد من الدول الأفريقية إلى الحصول على مقابل مادي عادل نظير منح رخص التعدين واستخراج الذهب، والحصول على نسب من العوائد المالية الكبيرة المحصلة كناتج لبيع الذهب عالميا، مثل غانا وانجولا وساحل العاج ونيجيريا، كما سعت بعض الدول الأفريقية أيضا إلى إنشاء مصافي حكومية لتكرير الذهب محليا لتحقيق قيمة مضافة تعود بعائد مناسب لتنفيذ خطط التنمية في المجتمعات الأفريقية وخاصة المناطق المحيطة بمناجم الذهب، حيث يعد الذهب بالتحديد والمعادن والاحجار الثمينة بصفة عامة من أهم مصادر دخل العديد من الدول الأفريقية.
إقرأ أيضا:
النيجر تسحب امتيازات تعدين الذهب من 3 شركات أجنبية لعدم التزامها بشروط التعاقد
West African Resources تستعد لأكبر قفزة إنتاج ذهب في تاريخها خلال 2026



