بث تجريبي

أسرار ذهب الأشانتي ( Asante Gold )

كنوز.نيوز

إعداد: كريمة حسين

كيف يعكس الذهب  قوة وهوية الأكان IKan في غانا . 

في قلب غانا، يُعد الذهب أكثر من مجرد معدن نفيس؛ فهو رمز للسلطة والروحانية والهوية الثقافية لشعب الأكان، وخاصة الأشانتي. 

تجربة الذهب فى مملكة أشانتي تمثل رحلة عبر التاريخ بين الطقوس الملكية، الحرف الذهبية، والرموز التراثية ، حيث يشكّل الذهب  الرابط الذي يوحّد بين الحاكم والشعب  . 

مملكة الأشانتي: تاريخ منسوج بالذهب 

تعود جذور تاريخ الأشانتي  وهم أكبر المجموعات العرقية فى  Akan، إلى القرن الثالث عشر، عندما هاجرت مجموعات من شعوب الأكان إلى المناطق الغابية في وسط غانا الحالي. في هذه الأراضي الغنية بمناجم الذهب، بدأت قصة واحدة من أقوى الأمم الإفريقية وهم الأشانتى Ashante .

وأصبح الذهب بسرعة محور الاقتصاد والثقافة  الأشانتيّة، وتحول إلى وسيلة تبادل قوية مع الإمبراطوريات الإفريقية الكبرى مثل إمبراطوريتي غانا ومالي، ثم مع العرب، ولاحقًا مع الأوروبيين.

لكن نقطة التحوّل الحقيقية في تاريخ الأشانتي وقعت في القرن السابع عشر. تحت قيادة أوسي توتو الأول “Osei Tutu I ” ، حيث توحّدت عدة جماعات أكانية في كونفدرالية بعدما تمكنت عام 1701 من التحرر من سيطرة مملكة دينكيرا “Denkyira “، ومنذ ذلك الحين بدأ الأشانتي توسعًا إقليميًا أدى إلى إنشاء إمبراطورية واسعة عاصمتها كوماسي، التي أصبحت واحدة من أهم الممالك ما قبل الاستعمار في غرب إفريقيا.

في عام 1817، وصل الرحّالة البريطاني توماس بوديتشإلى مدينة كوماسي، عاصمة مملكة الأشانتي .  وهناك، شهد مشهدًا أبهره إلى حدّ الذهول: الزعيم الأشانتي، كان يرتدي عباءة من قماش كينتي الملوّن، جلس محاطًا بالعديد من الحاشية، بينما يعلو رأسه مظلة ضخمة مرصّعة بالذهب. كل من حوله تقريبًا كانوا يلمعون بالذهب – عصي ذهبية، أساور ذهبية، وأقراط ذهبية، حتى المقاعد التي يجلس عليها الزعماء كانت مطلية بالذهب. وصف بوديتش ما رآه قائلًا: لم أرَ في حياتي هذا الكمّ منالذهب في مكان واحد.”

فن صياغة الذهب عند الأشانتي

تُعرف الأشانتي عالميًا بمهارتهم الفائقة في صياغة الذهب، وهي مهارة ضاربة الجذور تعود لقرون طويلة.

أكثر التقنيات تميزًا لدى الصاغة الأشانتي هي تقنية الصب بالشمع المفقود، وهي طريقة معقدة لصناعة أشكال ثلاثية الأبعاد دقيقة. تبدأ العملية بنحت النموذج بالشمع، ثم تغطيته بالطين. وبعد أن يجف الطين، يُسخن ليذوب الشمع تاركًا فراغًا، ثم يُسكب الذهب المنصهر في القالب ليتخذ شكل النموذج الأصلي.

بهذه التقنية يُصنع الحُلي،  الأسلحة الاحتفالية، وأغطية العصي الملكية، وزخارف الأغراض الطقوسية الأخرى. تشمل الزخارف أشكالًا هندسية، أو رموز حيوانية، أقراصًا شمسية . 

ولا يقتصر دور الذهب  الأشانتي على الزينة فقط، بل تشكّل لغة اجتماعية. فأنواع الحُلي، مع كمية وجودة الذهب المستخدم، تعكس فورًا المكانة الاجتماعية لمرتديها. وخلال المناسبات الكبرى مثل الجنازات والمهرجانات، يرتدي النخبة أساور وخواتم وخلخال وقلائد ذهبية، غالبًا ضخمة وثقيلة من الذهب، في استعراض للقوة والمكانة.

الذهب الأشانتى : رمزاً للسلطة والهوية الثقافية

لم يكن الذهب في غانا مجرد معدن نفيس،  بل كان عنصرًا أساسيًا يعكس الهوية والثقافة لدى شعب Akanوخاصة Ashante وفى المناطق الداخلية للبلاد التى كانت غنية بالذهب وبالمناجم ، حيث  امتدت مهارة صناعته لقرون قبل وصول الأوروبيين.

فعندما  وصل التجار البرتغاليون إلى الساحل الصخري في أواخر القرن الخامس عشر، وجدوا مجتمعًا يقدّر الذهب تقديرًا بالغًا، وقد  أصبح “ساحل الذهب” مركزًا عالميًا لتجارة المعدن النفيس، يجذب السفن الأوروبية المحملة بالأقمشة، والأدوات المعدنية، والأسلحة، والمشروبات الروحية لتبادل الذهب.

ولتأمين مصالحهم التجارية، قام البرتغاليون والدنماركيون والهولنديون والإنجليز ببناء حصون ساحلية محصنة. وبحلول القرن الثامن عشر، تحولت بعض هذه الحصون إلى مراكز لتخزين الأسرى المقيدين، الذين كانوا يُشحنون لاحقًا إلى الأمريكتين ضمن تجارة الرقيق، ما يوضح العلاقة التاريخية بين الذهب، التجارة، والقوة.

وحوالي عام 1700، أعلن الأشانتي، تأسيس ممكلة الذهب  Kingdom of Gold في الداخل، مركزًا للسيطرة على إنتاج الذهب وتجارته. وفي القرن التاسع عشر، خاض الأشانتي سلسلة من الحروب ضد بريطانيا، التي ضمت Gold Coast رسميًا إلى التاج البريطاني عام 1901.

على مدى القرون، كان يُكلف الصاغة بصنع أروع القطع الذهبية ليتم عرضها عند تنصيب الزعماء الجدد، ما يعكس مدى ارتباط الذهب بالسلطة والمكانة الاجتماعية. هذه الكنوز لم تكن مجرد زخارف، بل كانت رمزًا لهوية المجتمع وأداته للتواصل الاجتماعي والسياسي.

أما الرمز الأكثر قدسية عند  الأشانتي فهو العرش الذهبي

العرش الذهبي (Golden Stool) : رمز السلطة والروحانية

لا شيء يُمثل مملكة الأشانتي بقوة أكثر من العرش الذهبي. تقول الأسطورة إنه خلال اجتماع زعماء عشائر الأشانتي، هبط كرسي ذهبي غامض من السماء ليستقر على ركبتي أوسي توتو الأول. حينها أعلن الكاهن أوكومفو أنوكيي أن هذا الحدث كان علامة إلهية، ودليلًا على وحدة الأمة الأشانتي الجديدة.

العرش الذهبي يمثل الروح والكيان الجمعي لشعب الأشانتي. يُعتبر مقدسًا وغير قابل للمساس، ولا يُستخدم ككرسي جلوس بل يُحفظ كأثر روحي. وتقول التقاليد إنه يحتوي على السونسوما” sunsuma ” الذى يمثل جوهر القوة والكيان الروحي للأشانتي وتضمن استمرار هويتها وتماسك شعبها عبر الأجيال

الكرسي مصنوع من الخشب ومغطى بألواح ذهبية ومعلّق عليه أجراس تنذر الملك بالخطر، ولم يكن يُستخدم للجلوس بل كان رمزًا مجازيًا لقوة الدولة. وفي المراسم الملكية، يُعرض الكرسي على مقعد أوروبي الطراز موضوع فوق جلد فيل. لقد كان هذا الكرسي بمثابة “علم وطني” يُجسّد روح الأمة السياسية والثقافية. أمّا الكراسي الأخرى المصنوعة من الخشب والمزخرفة بالنقوش والمعادن، فكانت من نصيب القادة المخلصين والمرموقين، وبعد وفاتهم كانت تُسود بالدخان وتُقدَّم لها القرابين وتوضع على مذابح لتصبح وسيلة للتواصل مع أرواح الأجداد .

حتى اليوم، وعلى الرغم من أن المملكة فقدت استقلالها السياسي في الحقبة الاستعمارية، يبقى العرش الذهبي جوهر الهوية الثقافية للأشانتي. يُحفظ بعناية فائقة، ويُعرض نادرًا في مناسبات ذات أهمية كبرى. كما أن شخصية الأسانتيهيني “Asantehene “ ، الملك الرسمى  للأشانتي، ما تزال معترفًا بها رسميًا من حكومة غانا كحارس للتقاليد التراثية الأصيلة .

الصنادل الذهبية “golden footwear “ … رمز السلطة والملكية 

في تقاليد  الأشانتي قد يرتدي الزعيم تاجًا مطرزًا بالذهب، لكن أكثر ما يعكس مكانته هي صنادله الذهبية. يقول المؤرخ الامريكي دوران إتشDoran HRoss:

“الصنادل لدى الأكان تؤدي نفس الدور الذي تؤديه التيجان عند الملوك الأوروبيين.”

وفي المواكب  الكبرى، غالبًا ما ترافق الزعيم ستة أو سبعة رجال يحملون صنادله أمامه بفخر، ما يعكس أهمية هذه الصنادل كرمز للسلطة والهيبة.

حتى أن بعض الأحداث التاريخية تؤكد أهمية  هذه التقاليد والطقوس : ففي سبعينيات القرن التاسع عشر، شهد مراقبون ألمانيون حالة تنفيذ حكم الإعدام على شخص اشترى صندلًا ملكيًا باليًا دون إذن من الملك! هذا يوضح كيف كانت الرموز الذهبية جزءًا من النظام الاجتماعي والسلطة الملكية .

الذهب… لغة الأمثال والرموز

ابتكار  الأشانتي في صناعة الذهب لم يكن مجرد زخرفة، بل لغة تنقل رسائل، مديح، هجاء، وأمثال شعبية. فقد يرفع زعيم يده في الموكب ليُظهر خاتمًا ضخمًا على شكل سمكة، في إشارة إلى المثل القائل: 

“السمكة خارج الماء تموت؛ والملك بلا أتباع يفقد وجوده.”

كما يظهر فن النحت على العصي الملكية الرمزية، مثل عصا الخشب الفخمة التي صنعها النحات الشهير Osei Bonsu حوالي عام 1940، حيث يصور رجلًا يحمل بيضة، رمزًا للمثل: ” الزعامة مثل حمل بيضة في اليد: إذا ضغطت عليها كثيرًا تنكسر، وإذا تراخيت أفلتت وانكسرت.”

هذه الرموز تبيّن حدود السلطة للملكية  وتعكس العلاقة بين الحاكم والشعب ، مؤكدة أن الذهب ليس مجرد زينة، بل أداة للتعبير عن السلطة والواجب الاجتماعي.

الاحتفالات الملكية: مهرجان الأكوَسيداي (Akwasidae)

يُعتبر الأكوَسيداي أحد أبرز المظاهر الثقافية لشعب الأشانتي. يُحتفل به كل ستة أسابيع وفقًا للتقويم التقليدي للأكان. ويُعدّ مناسبة تتجمع فيها الجماعة لتكريم الأجداد وتعزيز الروابط الاجتماعية.

الاحتفال، الذي اشتُق اسمه من “Akwasi” (الأحد) و“adae” (راحة)، يُقام دائمًا يوم أحد، ويتم في القصر الملكي في كوماسي، مقر إقامة ملك الأشانتى  الأسانتيهيني، ويجذب الآلاف من الأشخاص، من الزعماء المحليين إلى الزوار الأجانب.

خلال الاحتفال، يكون الذهب حاضرًا في كل مكان: يجلس الأسانتيهيني تحت مظلة ملونة ضخمة، مرتديًا ملابس فاخرة مرصعة بمجوهرات ذهبية عريقة، لكل منها معنى رمزي خاص. كما يرتدي زعماء العشائر وأعضاء البلاط الملكي حُليًا ذهبية متقنة، تُظهر بصريًا أهمية هذا المعدن ومكانته في ثقافة الأشانتي.

موكب ملك الأشانتي ( Asantehene) : تجربة حسّية فريدة

ذروة احتفالات الأكواسيداي هي الموكب الملكي، وهو عرض مذهل يحرك الحواس كلها.

يُحمل الملك على نقالة مزخرفة، محاطًا بـ كبار مساعديه ومستشاريه الذين يمثلون مختلف السلطات والمناصب في المملكة

ويشارك في الموكب حملة السيوف المزخرفة بالذهب، الحراس، عازفو الطبول، والمزامير المصنوعة من العاج لتي تعلن عن قدوم الملك. يرافقهم أيضًا الرواة الشعبيونالذين يروون التاريخ السلالي للملوك الأشانتي، مما يحافظ على الذاكرة الجمعية للأجداد.

كما تشارك الملكة الأم ” Queen Mother” ” وغالبًا ما تكون أم الملك أو أحد النساء البارزات في العائلة الحاكمة.  في المراسم، محاطة ببلاط نسائي بالكامل، مما يبرز الدور المحوري للمرأة في المجتمع الأشانتي، القائم  على النظام الأمومي  ( الأنساب النسائية) حيث تلعب النساء دورًا أساسيًا في نقل السلطة والتقاليد عبر الأجيال . 

مقالات مختارة

 1100% زيادة في الطلب على السبائك والعملات في مصر خلال ست سنوات، وشبه استقرار لنسبة المشغولات
بوركينا فاسو: 6 مليارات دولار عائدات الذهب “رسميا” خلال النصف الأول من 2026
الهياكل الهرمية في صناعة المجوهرات.. كيف تنظم العلامات التجارية محافظها التصميمية؟
آسيا تعزز ثقلها في سوق الذهب العالمي رغم أكبر موجة تخارج من صناديق الاستثمار
شراكة بين مجلس الذهب العالمي وغانا لتنظيم التعدين الحرفي وتعزيز نزاهة سلاسل إمداد الذهب
Trend vs Evergreen؟ كيف تبني دور المجوهرات العالمية محفظة مجموعاتها؟
هل ارتدت أولينا زيلينسكا قلادة مسروقة من متحف لاليك؟ ماذا يحدث إذا ثبتت صحة الإدعاء؟
جائزة “Kering & CIBJO” تغير مفاهيم صناعة المجوهرات المستقبلية.. 44 مشروع و 10 جامعات.
الصين تفرض قيودا على الذهب الورقي للأفراد.. هل بدأ التحول إلى الذهب الفعلي؟
أنجلو أمريكان تعلن عن “المشترى المفضل” لحصتها في De Beers