اتفاق يمتد حتى 2054 يمنح بوتسوانا حصة متزايدة من تسويق الماس.. والصندوق يستهدف تعبئة استثمارات لتنويع الاقتصاد وتطوير صناعات جديدة
أعلنت مجموعة دي بيرز (De Beers Group)، اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، عن تحويل مليار بولا بوتسوانية، بما يعادل نحو 70 مليون دولار، إلى صندوق “الماس من أجل التنمية- Diamonds for Development Fund“، تنفيذًا لأحد الالتزامات الرئيسية الواردة في اتفاق الشراكة الموقع مع حكومة بوتسوانا في فبراير 2025.
يمثل تحويل المبلغ أول تمويل فعلي للصندوق، الذي يستهدف توظيف عائدات الماس في تنويع الاقتصاد البوتسواني، وتطوير صناعات جديدة، ودعم المشروعات وتوفير فرص العمل، بما يقلل اعتماد البلاد على صناعة الماس باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للدخل والصادرات.
وجاءت الخطوة بعد استكمال تشكيل مجلس إدارة مستقل للصندوق يضم عشرة أعضاء، برئاسة الدكتور أكينوومي أديسينا، الرئيس السابق للبنك الأفريقي للتنمية، وانتقال الصندوق إلى مرحلة إعداد استراتيجية الاستثمار وخطة العمل تمهيدًا لإطلاق برامجه.

اتفاق 2025.. شراكة جديدة لتعدين الماس وتسويقه
يعود تأسيس الصندوق إلى اتفاق الشراكة الذي وقعته حكومة بوتسوانا ومجموعة دي بيرز في 25 فبراير 2025، بعد مفاوضات امتدت لعدة سنوات، واستهدفت إعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين في تعدين الماس الخام وتسويقه، وزيادة العائد الاقتصادي الذي تحصل عليه بوتسوانا من مواردها الطبيعية.
وشمل الاتفاق تجديد ترتيبات بيع إنتاج شركة ديبسوانا (Debswana) لمدة عشر سنوات، مع إمكانية تمديدها خمس سنوات إضافية، إلى جانب تمديد تراخيص التعدين لمدة 25 عامًا، تبدأ في 2029 وتنتهي في 2054.
وتُعد ديبسوانا شركة مشتركة مملوكة مناصفة لحكومة بوتسوانا ودي بيرز، وتتولى تشغيل عدد من أهم مناجم الماس في البلاد، وفي مقدمتها جوانينج (Jwaneng) وأورابا (Orapa)، ويتيح تمديد التراخيص استمرار الاستثمارات في المناجم القائمة ومشروعات إطالة عمرها الإنتاجي، بما يشمل توسعات جوانينج ومشروعات التعدين تحت الأرض، إلى جانب تطوير العمليات في أورابا.
بوتسوانا ترفع حصتها من تسويق الماس إلى 50%
من أبرز بنود الاتفاق زيادة الحصة التي تتولى شركة أوكافانجو للماس (Okavango Diamond Company – ODC)، المملوكة لحكومة بوتسوانا، بيعها من إنتاج ديبسوانا، مقابل خفض الحصة التي تتولى دي بيرز تسويقها.
وبموجب الاتفاق، ترتفع حصة أوكافانجو من 25% سابقًا إلى 30% خلال الفترة من 2025 إلى 2030، مقابل 70% لدي بيرز، ثم ترتفع إلى 40% خلال الفترة من 2030 إلى 2035، مقابل 60% لدي بيرز.
وفي حالة تفعيل التمديد الإضافي للاتفاق خلال الفترة من 2035 إلى 2040، تتساوى حصتا الطرفين عند 50% لكل منهما.
ويمثل هذا التدرج تحولًا في إدارة تجارة الماس البوتسواني، إذ يمنح الدولة دورًا أكبر في تسويق إنتاجها مباشرة، وتطوير علاقاتها مع المشترين والأسواق الدولية، بدلًا من الاعتماد على قنوات دي بيرز التسويقية وحدها.
كما التزم الطرفان بتوفير الماس الخام لأغراض التصنيع وإضافة القيمة داخل بوتسوانا، بما يتناسب مع حصة كل منهما من إنتاج ديبسوانا.
صندوق التنمية.. استثمارات مستهدفة ل De Beers تصل إلى 10 مليارات بولا
تضمن اتفاق 2025 إنشاء صندوق «الماس من أجل التنمية»، بمساهمة تأسيسية قدرها مليار بولا من دي بيرز، إلى جانب مساهمات سنوية لاحقة مرتبطة بتوزيعات الأرباح التي تحصل عليها المجموعة من ديبسوانا، وفقًا لأداء الشركة.
وتستهدف الترتيبات تنمية موارد الصندوق إلى نحو 10 مليارات بولا خلال عشر سنوات، وهو هدف تمويلي يرتبط بنتائج أعمال ديبسوانا، ولا يمثل مبلغًا تم تحويله بالكامل أو تمويلًا مضمونًا سلفًا.
ويهدف الصندوق إلى توجيه ثروة الماس نحو قطاعات إنتاجية جديدة، وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتطوير الصناعات والصادرات وخلق فرص العمل، بما يتوافق مع رؤية بوتسوانا الاقتصادية حتى عام 2036.
كما يستهدف العمل كمنصة استثمارية قادرة على جذب رؤوس أموال إضافية من المؤسسات المالية والمستثمرين المحليين والدوليين، بما يضاعف الأثر الاقتصادي للمساهمات الأولية.
صناعة المجوهرات والتصنيف والتدريب ضمن التزامات الاتفاق
لم يقتصر اتفاق الشراكة على تنظيم الإنتاج والمبيعات وإنشاء الصندوق، وإنما تضمن مجموعة من الالتزامات الهادفة إلى تطوير صناعة الماس داخل بوتسوانا وزيادة القيمة المضافة المحلية.
وشملت هذه الالتزامات الاستثمار في إنشاء منشأة جديدة لتصنيع المجوهرات الماسية، وتأسيس مختبر تابع لمعهد دي بيرز للماس (De Beers Institute of Diamonds) لتصنيف الأحجار، إلى جانب إنشاء معهد للتدريب المهني المتخصص في صناعة الماس بالتعاون مع شركاء من القطاع.
كما اتفق الطرفان على تنفيذ مبادرات تسويقية مشتركة لتعزيز الطلب العالمي على الماس الطبيعي، في ظل التحديات التي تواجه السوق الدولية والمنافسة المتزايدة من الماس المصنع معمليًا.
وتهدف هذه المشروعات إلى توسيع مشاركة بوتسوانا في مراحل الصناعة والتجارة والخدمات المرتبطة بالماس، وعدم الاكتفاء باستخراجه وتصديره في صورته الخام.
مجلس إدارة مستقل وخطوات تمهيدية للتنفيذ
شهد سبتمبر 2026 عقد أول اجتماعات مجلس إدارة صندوق «الماس من أجل التنمية» داخل بوتسوانا، في العاصمة جابورون، حيث التقى رئيس المجلس وأعضاؤه الرئيس دوما بوكو، وعددًا من الوزراء وممثلي المؤسسات المالية والقطاع الخاص والجامعات وشركاء التنمية.
وتركزت المناقشات على الرؤية الاستثمارية للصندوق ودوره في جذب رؤوس الأموال إلى قطاعات جديدة، ودعم التصنيع وزيادة القدرة التنافسية للصادرات.
وأكدت وزيرة المعادن والطاقة في بوتسوانا، بوجولو كينيويندو، أن الصندوق يمثل أداة استراتيجية لتحويل قيمة الموارد الماسية إلى فرص اقتصادية طويلة الأجل، وتطوير الصناعات والمشروعات التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة من التنمية.
من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لدي بيرز، آل كوك، استمرار التزام المجموعة بالاستثمار في مستقبل صناعة الماس في بوتسوانا، بالتوازي مع دعم جهود الحكومة لتنويع الاقتصاد.
وأشار الدكتور أكينوومي أديسينا إلى أن استلام المساهمة التأسيسية يتيح للصندوق الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، والتركيز على القطاعات التي تدعم التصنيع والصادرات وخلق فرص العمل.

الخطوات المقبلة في تنفيذ اتفاق الشراكة
مع تحويل الدفعة التأسيسية، ينتقل صندوق “الماس من أجل التنمية” إلى استكمال استراتيجيته وخطة أعماله، وتحديد مجالات التدخل الاستثماري، ثم البدء في طرح وتنفيذ البرامج والمشروعات.
ومن المنتظر أن تشمل المرحلة التالية بناء شراكات مع المؤسسات المالية والمستثمرين لجذب تمويل إضافي، بما يسمح للصندوق بتوسيع حجم استثماراته بدلًا من الاعتماد على مساهمات دي بيرز وحدها.
أما على مستوى اتفاق الشراكة الأوسع، فتتضمن المراحل المقبلة استمرار تطبيق التوزيع الجديد لحصص تسويق إنتاج ديبسوانا، تمهيدًا لزيادة حصة أوكافانجو إلى 40% اعتبارًا من المرحلة التعاقدية التي تبدأ في 2030، مع إمكانية وصولها إلى 50% خلال فترة التمديد الإضافية بعد 2035.
كما تشمل الالتزامات التي يتعين متابعة تنفيذها إنشاء منشأة تصنيع المجوهرات الماسية، ومختبر تصنيف الأحجار، ومعهد التدريب المهني، وتطوير المبادرات التسويقية المشتركة للماس الطبيعي، إلى جانب استمرار مشروعات إطالة العمر الإنتاجي لمناجم ديبسوانا.
ولم يتضمن إعلان 21 أكتوبر جدولًا زمنيًا تفصيليًا لبدء استثمارات الصندوق أو أسماء المشروعات التي ستحصل على التمويل أولًا.
مستقبل الشراكة في ظل إعادة هيكلة ملكية De Beers
تكتسب خطوات تنفيذ الاتفاق أهمية إضافية في ظل خطة مجموعة أنجلو أمريكان (Anglo American)، المالكة لحصة الأغلبية في دي بيرز، للتخارج من استثماراتها في الشركة ضمن إعادة هيكلة محفظة أعمالها.
وكانت أنجلو أمريكان قد اعتبرت توقيع اتفاق 2025 خطوة مهمة لتوفير الاستقرار طويل الأجل لشراكة دي بيرز مع بوتسوانا، ودعم مستقبل الشركة في مرحلة إعادة ترتيب ملكيتها.
وبينما يضمن الاتفاق استمرار الشراكة التعدينية لعقود مقبلة، فإن متابعة تنفيذ الالتزامات الاستثمارية والتنموية، بما فيها المساهمات المستقبلية في الصندوق، ستظل أحد الملفات المهمة مع تطور خطط التخارج وتغير هيكل الملكية المحتمل.
ويعكس إطلاق التمويل الفعلي للصندوق توجه بوتسوانا نحو استخدام عائدات صناعة الماس لتطوير قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تعزيز دورها في تسويق الماس وتصنيعه، والحصول على نصيب أكبر من القيمة المضافة المرتبطة بمواردها الطبيعية.
رئيس بوتسوانا: ثروة الماس يجب أن تصنع مستقبلًا اقتصاديًا أكثر تنوعًا
وكان الرئيس البوتسواني دوما بوكو قد وصف صندوق “الماس من أجل التنمية”»، خلال استقباله الدكتور أكينوومي أديسينا، رئيس مجلس إدارة الصندوق، في سبتمبر الماضي، بأنه مبادرة جريئة تستهدف ضمان استفادة مواطني بوتسوانا بصورة مباشرة من الثروة التي يولدها الماس، ودعم التصنيع والنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وتأتي هذه الرؤية امتدادًا لموقف الرئيس من اتفاق الشراكة الجديد مع De Beers الذي يمنح بوتسوانا حصة متزايدة من تسويق إنتاجها من الماس، ويتيح توجيه جزء من عائداته إلى قطاعات اقتصادية أخرى. وكان بوكو قد أكد في تصريحات سابقة أن بلاده تسعى إلى تقليل اعتماد اقتصادها على الماس، دون التخلي عن دورها في الصناعة، بل من خلال تعزيز سيطرتها الاستراتيجية على القطاع، وتوسيع أنشطة التصنيع وإضافة القيمة محليًا، إلى جانب تنمية قطاعات الزراعة والسياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا. وبذلك يمثل الصندوق أحد أدوات تنفيذ رؤية الحكومة لتحويل عائدات الماس إلى استثمارات إنتاجية تضمن استمرار الاستفادة من الثروة المعدنية، حتى مع تقلبات الأسواق العالمية.
لقراءة المزيد:
أنجلو أمريكان تفاوض على بيع 85% تمثل حصتها في «دي بيرز» مقابل مليار دولار فقط
ألماس بوتسوانا في نيويورك: 60 عامًا من الاستقلال وصياغة الهوية الدولة الماسية
الشراكة بين بوتسوانا و DE BEERS نصف قرن في حب الماس الطبيعي


