يحظى الذهب مؤخرا بأهمية شديدة على كافة المستويات، بداية من الدول ممثلة في البنوك المركزية التي تتسابق لدعم عملتها واقتصادها بغطاء كافي من الذهب أمام حالة التأرجح التي يعاني منها الدولار، وحتى على مستوى كبار المستثمرين على مستوى العالم والذين فقدوا بعض الثقة بدورهم في كل من الدولار والأسهم والعملات الرقمية، إلى الأشخاص الطبيعيين ممن تآكلت مدخراتهم بفعل التضخم فلجأوا لحفظ قيمة أموالهم بشراء المزيد من الذهب. وهو ما يبدو منطقيا في ظل ظروف الاقتصاد العالمي المضطرب بفعل التوترات الجيوسيايسة والصراعات الاقتصادية بين أتنين من أكبر اقتصادات العالم.
وعلى المستوى المحلي لم يكن السوق المصري بمعزل عن حالة “حمى الذهب” التي اجتاحت العالم كله، حيث تأثر السوق المصري بشكل مختلف لما له من طبيعة خاصة وحساسية جعلته شديد التأثر بفعل التضخم المواكب لعمليات رفع الدعم والتعويم المتتالية على مدار السنوات الماضية، مما ممثل ضغطا على المواطن المصري في شكل زيادة الإنفاق، وقلقا بالغا على مدخراته التي يعتبرها أمانا لمستقبله ومستقبل أبنائه. مما جعل السوق المصري يتراجع بعد فترة من الاقبال المحموم على شراء الذهب، ليدفع بالكثير من المدخرين لتسييل مدخراتهم الذهبية من أجل الوفاء بالالتزامات المعيشية والتعليمية وغيرها. مما زاد من حجم المعروض في مواجهة الطلب، الأمر الذي تسبب في انخفاض سعر الذهب في السوق المصري في بعض الأحيان عن السعر العالمي ببضعة جنيهات، فكان الحل لدى التجار هو اللجوء لإعادة صهر الذهب الذي تم شراؤه من المواطنين وسبكه من جديد في سبائك يتم تصديرها كخام من أجل الحصول على العملة الصعبة وضخ السيولة اللازمة في السوق للوفاء بمطالب المواطنين الراغبين في تسييل مدخراتهم.
جاءت حصيلة تصدير الذهب ا خلال عام ونصف بداية من أول عام ٢٠٢٤ – يونيه ٢٠٢٥، تقارب ٦ مليار دولار، مثَّل الذهب الخام الذي يتم تصديره ما يزيد عن ٥ مليار دولار، في حين كانت حصيلة تصدير المشغولات الذهبية أقل من مليار دولار.
جاءت هذه الإحصائيات الرسمية مخيبة للآمال بشكل كبير، ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة والحكومة المصرية لإيقاف نزيف تصدير الخامات المصرية ومنها الرمال السوداء والجلود الطبيعية والأقطان والمعادن وغيرها، والسعي لبناء مصانع لتصنيع الخامات المصرية وتصديرها بقيمة مضافة تصب في ميزان الناتج القومي للدولة وتوفر فرص عمل للمواطنين، نجد أن الذهب الذي أصبح العملة الأهم والمعدن الأكثر طلبا على مستوى العالم ليتم تصديره بهذه البساطة كخام بدون اشتراط وجود قيمة مضافة تعزز من مكاسب الدولة والمصانع المصرية التي ضخ فيها أصحابها ملايين الجنيهات خلال السنوات الماضية، في حين توضع القيود المعجزة على تصدير هذه المصانع للمشغولات الذهبية والتي يتم تصنيعها بأيدي مصرية في مصانع مصرية توظف مئات العمال وتدفع للدولة مقابل خدمات المرافق ورسوم الدمغة والضريبة المستحقة، ويتم فرض المزيد من الرسوم “رسوم التثمين” على المشغولات المصرية التي يتم تصديرها، فتتراجع بذلك قدرة المشغولات المصرية على المنافسة في الأسواق العالمية بتحملها لأعباء إضافية، وبدون أي دعم من الدولة لتسهيل تصدير المشغولات الذهبية “ذات القيمة المضافة” بدلا من تصدير الخام بسعر أقل من السوق العالمي للحصول على الدولار وتوفير السيولة.
لقد ظل الأمر طوال سنوات مرهونا بقوانين ربما كانت مناسبة لحقب زمنية ماضية، ولكنها لم تعد مناسبة لما تمر به مصر من تنمية وصحوة ورغبة في استغلال الخامات المصرية بأفضل طريقة تزيد من مردودها على الاقتصاد الكلي للدولة، ولا يوجد أنسب من هذا التوقيت لإعادة النظر بجدية في تنظيم هذا القطاع ومنع تصدير الذهب الخام، والسعي لإزالة العوائق التي تقف في طريق تصدير المشغولات الذهبية المصرية وتشجيع المصانع الحالية للتوسع وزيادة جودة منتجاتها لتنافس المنتجات العالمية، وتيسير عملية استيراد الخامات اللازمة لتنمية هذه الصناعة في مصر والعمل على وضع استيراتيجية قومية متكاملة لتطوير هذا القطاع بالكامل على مستوى التعدين والتصفية والتصنيع والتجارة والتسويق، لوضع مصر في المكانة التي تليق بها عالميا في هذا القطاع الذي تزيد حجم تجارته عن ٣٤٠ مليار دولار سنويا، لا تساهم فيه مصر حاليا إلا بأقل من مليار دولار من المشغولات، وتكتفي بتصدير الخام بمقدار ٥ مليار دولار، وهي مكانة لا تليق بدولة تحتفل باكتشاف أقدم مدينة لتعدين واستخلاص وصياغة الذهب في التاريخ، ويحتفي العالم كله بآثارها النادرة التي مثل الذهب جزءا كبيرا منها حيث أبدع القدماء في تشكيله وصياغته وتعدينه واستخلاصه بطريقة لا تزال تذهل العلماء قبل المشاهدين.
لقد تأخرت مصر كثيرا في الالتفات لهذا الملف ولم يعد التأخير مقبولا، ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي عن طموحه بإنشاء مدينة للذهب في مصر وتحويل مصر لمركز تجارة كبير في هذا القطاع، وهو طموح مشروع وضروري في الوقت الحالي، لكن جاءت خطوات التنفيذ غير متكافئة مع هذا الطموح وتعثرت الخطوات الأولى بسبب عدم وعي بعض القائمين على المشروع بطبيعة القطاع الذي لا يحتاج إلى مباني ومدن بقدر ما يحتاج إلى تشريعها ودراسة متأنية وقرار حاسم وجرئ بدفع هذا القطاع الذي يقوم بالأساس على استثمارات خاصة وعائلية بالأساس، ولا يحتاج لدعم مادي من الدولة، لذلك فهو قادر في وقت قياسي أن يتحول للتصدير ليصبح مصدرا هاما للعملة الصعبة بقدر يفوق ما تصدره من مصر من أطنان الخضار والفاكهة والأسمنت والكثير من المنتجات الأخرى، فحين يزيد سعر الأوقية (٣١ ) جرام تقريبا عن ٤٢٠٠ دولار الآن . هل لنا أن نتخيل عائد تصدير طن من المشغولات الذهبية والمجوهرات مع إضافة قيمة المصنعية والضريبة عدد الأيدي العاملة التي سيتم توفير فرص عمل لها؟
هل يمكن لأحد أن يتخيل كم الاستثمارات التي يمكن أن تجذبها مصر لو تم وضع تشريعات مناسبة لتنمية هذا القطاع والتوسع في عقد المعارض الدولية للذهب والمجوهرات على أرضها وتفعيل إقامة مناطق تجارة حرة وتدريب الأيدي العاملة.
أعتقد أن الأمر يستحق الدراسة.. وهو ما ندعو إليه بجدية لنبدأ الآن.. وليس غدا.. فالذهب لم يعد مجرد زينة وخزينة.. بل أصبح عملة وسلعة بل سلاحا له أهمية كبيرة لدي الحكومات والمواطنين على مستوى العالم وأصبح ثروة من يمتلكها يستطيع فرض قراره وكلمته!


