بعد أكثر من مئة عام من الغموض والأساطير والشائعات، كُشف أخيرًا عن مصير واحدة من أشهر وأندر الماسات في التاريخ: الماسة الفلورنسية، الجوهرة الإمبراطورية التي ارتبط اسمها بعائلات حاكمة، وحروب عالمية، وانهيار إمبراطوريات، قبل أن تعود للظهور من جديد محفوظة في خزنة بنكية كندية بعيدًا عن أعين العالم.
هذا الكشف أنهى واحداً من أطول ألغاز القرن العشرين في عالم الأحجار الكريمة، وأعاد فتح ملف شائك يجمع بين السياسة والتاريخ والفن والجواهر.
لم تُعرض الماسة أمام العامة منذ عام 1919، وظلت قصة اختفائها تثير فضول المؤرخين وعشاق المجوهرات على حد سواء.
- تاريخ الماسة وأصلها الملكي
الماسة الفلورنسية هي جوهرة استثنائية تزن 137.27 قيراطًا، ما جعلها تاريخيًا واحدة من أكبر أربع ماسات معروفة في العالم. تتميز بلونها الأصفر الفاتح المائل إلى الأخضر الخفيف، وهو لون نادر وصفته المصادر القديمة بأنه “أصفر ليموني ناعم”.
لكن ما يميزها أكثر من وزنها أو لونها هو قطعها الفريد:
- قطع وردة مزدوجة.
- 126 وجهًا.
- شكل غير منتظم بتسعة أضلاع.
وهو قطع يعود إلى القرن السابع عشر، ولم يعد يُستخدم في العصر الحديث، ما جعل الماسة بصمتها الجواهرية الخاصة التي لا يمكن تزويرها.
ويُعتقد أن الحجر الخام تم الحصول عليه في أواخر القرن السادس عشر من ملك فيجايانا غارا في جنوب الهند من قبل الحاكم البرتغالي “لغوا لودوفيكو كاسترو -كونت مونتيسانتو-، وتم ايداعها لدي اليسوعيين في روما حتى نجح فريناندو الأول دي ميديشي – دوق توسكانا الأمبر في ظرائها من عائلة كاستورو 35000 كروكاتي برتغالي، بعد مفاوضات مطولة.
- خصائص الماسة الفلورنسية:
- الوزن: 137.27 قيراطًا (~27.454 غرامًا)، رابع أكبر ماسة في العالم في تاريخها.
- اللون: أصفر فاتح مع لمسات خضراء خفيفة جدًا، يوصف بأنه “ليمون ناعم”، يمنحها نعومة عتيقة لا تتوافر في الماسات الحديثة.
- القطع: وردة مزدوجة غير منتظمة ذات 126 وجهًا.
- الملاك: عائلة ميديشي ثم بيت هابسبورغ-لورين، رمز القوة والسيادة.
يُعد هذا القطع الفريد سببًا رئيسيًا في تأكيد أصالة الماسة، حيث تدحض شائعات إعادة القطع أو التفتيت لبيعها في القرن العشرين، بما في ذلك المزادات المشكوك فيها مثل مزاد كريستيز في جنيف عام 1981
- من فلورنسا إلى فيينا… الرحلة الملكية
ترتبط الماسة الفلورنسية في بداياتها بعصر النهضة الإيطالية، حيث كانت ضمن كنوز عائلة ميديشي، حكام فلورنسا وأحد أقوى بيوت المال والسياسة في أوروبا.
بعد انقراض سلالة الميديشي، انتقلت الماسة إلى بيت هابسبورغ-لورين، لتصبح جزءًا من مجوهرات البلاط الإمبراطوري النمساوي. وبلغت ذروة رمزيتها عندما استُخدمت لتزيين تاج فرانسيس ستيفن عند تتويجه إمبراطورًا للإمبراطورية الرومانية المقدسة عام 1745.
منذ ذلك الحين، أصبحت الماسة رمزًا للاستمرارية الإمبراطورية، وحُفظت في قصر هوفبورغ في فيينا إلى جانب أهم جواهر العائلة الحاكمة
- رحلة الغموض: الاختفاء بعد انهيار الإمبراطورية.
بعد انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية عام 1918، شعر الإمبراطور كارل الأول – وهو ابن شقيق أرشيدوق فرانز فرديناند، الذي أشعل اغتياله شرارة الحرب العالمية الأولى- بأن نهاية حكمه قد اقتربت. ومع تهديدات البلاشفة والفوضويين، اتخذ خطوات عاجلة لحماية مجوهرات العائلة الملكية، بما فيها الماسة الفلورنسية.

تم إرسال المجموعة إلى سويسرا تحسبًا للفرار إلى المنفى، لكن مع هروب العائلة لاحقًا من فيينا، بدا أن الماسة اختفت، ما أثار جدلًا واسعًا حول ما إذا كانت قد سُرقت أو بيعت أو فُقدت إلى الأبد. انتشرت شائعات وظهرت الروايات الخيالية التي تناولت اختفائها، حتى أصبحت موضوعًا لأفلام وروايات مثل The Imperfects.
- الخطة السرية للحفاظ على الماسة خلال الحرب العالمية الثانية:
أثناء الحرب العالمية الثانية، هربت العائلة الإمبراطورية من الاضطهاد النازي واستقرت في كندا بعد المرور بالولايات المتحدة. ووفق روايات أحفاد العائلة، حملت الإمبراطورة زيتا أرملة تشارلز الأول الماسة في حقيبة صغيرة خلال الرحلة، ووُضعت لاحقًا في خزنة بنكية بكندا حيث بقيت بعيدًا عن أعين العامة.
أخبرت الإمبراطورة زيتا اثنين فقط من أبنائها، روبرت، رودولف، بمكان الماسة، وطلبت الحفاظ على السر لمدة 100 عام بعد وفاة الإمبراطور كارل الأول في 1922. جاء ذلك كإجراء أمني لضمان سلامة الماسة وحماية الجوهرة من المصادرة والنزاعات السياسية، أو المطالبات القانونية وحماية العائلة من أي مخاطر محتملة.
- قرن من السرية العائلية للحفاظ على الإرث الثمين:
التزم الأبناء بتعليمات والدتهم، ونقلوا السر إلى أبناءهم قبل وفاتهم، مما حافظ على الماسة داخل دائرة ضيقة من العائلة لأكثر من قرن. حتى أن بعض أفراد الأسرة اعتبروا القصة مجرد “أسطورة عائلية”.
لم يُكسر الصمت إلا بعد انتهاء المدة الزمنية التي حددتها الإمبراطورة زيتا، حين قرر أحفادها الإفصاح عن الحقيقة.
وفق كارل فون هابسبورغ- لوثرينغن، حفيد الإمبراطور كارل الأول، سمح هذا الالتزام بالسرية بأن تبقى الماسة سليمة وارتبطت أسطورتها بالعائلة دون انقطاع.
- إعادة الاكتشاف والإعلان الرسمي:
في عامي 2024–2025، أعلن كارل فون هابسبورغ- لوثرينغن، حفيد آخر إمبراطور للنمسا، أن الماسة الفلورنسية موجودة بالفعل ومحفوظة بأمان في كندا، إلى جانب 15 جوهرة تاريخية أخرى.
ولحسم أي شك، استعانت العائلة بصائغ المجوهرات النمساوي العريق AE Köchert، الذي كان صائغ البلاط الإمبراطوري سابقًا. وقد أكد الخبراء التالي:
- أن الماسة أصلية
- لم تُقطع أو تُعدل
- ما زالت تحتفظ بقطعها التاريخي المكون من 126 وجهًا
وهو ما أنهى رسميًا قرنًا من الجدل العلمي والتاريخي.
كما أكدت التقارير الأخيرة، بما في ذلك نيويورك تايمز وEuronews وThe Independent، أن الماسة لم تُسرق أو تُفقد أبدًا، بل بقيت ضمن ممتلكات هابسبورغ طوال الفترة الماضية. وتم التحقق من هويتها بواسطة دار مجوهرات أوروبية كانت تخدم البلاط الإمبراطوري، لتأكيد سلامتها وحفظها.
- القيمة التاريخية والرمزية:
-

ماسة فلورنسا الأسطورية
تُعد الماسة الفلورنسية أكثر من مجرد حجر كريم ثمين؛ فهي أثر ثقافي وتاريخي يجسد تاريخه الملكي الطويل، ويُظهر براعة القطع المعقدة في القرن السابع عشر. يمثل لونها الأصفر الفاتح وقطعها الوردي المزدوج إرثًا فريدًا، يعكس عظمة وعراقة سلالات ميديشي وهابسبورغ.
بعد أكثر من مئة عام من الغموض، أصبحت الماسة الفلورنسية متاحة للجمهور للاطلاع على إرثها العريق، مقدمة حلللغز من أعظم الألغاز في عالم المجوهرات الملكية، ومؤكدةً أن استراتيجية السرية العائلية كانت ناجحة في الحفاظ على هذه الجوهرة التاريخية الرائعة عبر الأجيال.
أكدت عائلة هابسبورغ أنها لا تنوي بيع الماسة، ورفضت الإفصاح عن قيمتها السوقية، معتبرة أنها إرث تاريخي لا يُقدّر بثمن وسيتم عرض الماسة علنًا في متاحف كندا، تقديرًا للدولة التي وفرت لها الأمان خلال سنوات المنفى، مع احتمال تنظيم معارض مستقبلية في أوروبا.



